كتاب وأراء

كي لا نبكي بلداً أضعناه

ربما أصبح من قبيل التكرار الممل الحديث عن الخراب الكبير الذي لحق بالسوريين، إثر تحول ثورتهم إلى حرب لا ملامح موصوفة لها، ومتعددة الأطراف والتفرعات والتدخلات، بحيث أصبحت سوريا فعلا أرضا محروقة ومسلخا كبيرا لا يصلح للعيش، وهو ما جعل حتى على غير المعرضين للخطر الأمني مغادرتها أو التفكير الجدي بذلك، فالحرب والموت اليومي ونتائجهما جعلا من السوريين الذين مازالوا في سوريا يعانون، إضافة لمعاناتهم اللوجيستية، من الآثار النفسية المدمرة للحرب، يمكن لأي متابع الانتباه لذلك من كتابات السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى مدوناتهم الخاصة، ورصد مقدار التشتت والخوف والحزن واليأس والعدمية في الكتابات والأعمال الفنية والإبداعية لمن بقوا في الداخل السوري.
لا يختلف الأمر كثيرا عند سوريي الخارج، وإن كان تعبيرهم عن حالهم يشي بخوف أقل، إذ يتمتع من خرج بأمان لوجيستي، فهو يعيش خارج دائرة الحرب والموت الواقعة، انعكاس ما يحدث عليه هو انعكاس افتراضي، فالحياة السورية لدى سوريي الخارج في غالبيتها افتراضية، حيث تفرق شمل العائلات، وبات كل واحد يعيش في بلد بعيد عن الآخر آلاف الكيلومترات، عدا عن استحالة الحصول على تأشيرات دخول إلى غالبية دول العالم، وحدهم من يعيشون في اوروبا يتنقلون ضمن أراضي الاتحاد الأوروبي بحرية، لكنهم حرموا من دخول الدول العربية وزيارة أحبائهم فيها، مثلما حرم السوريون الذين يعيشون في الدول العربية من زيارة أحبائهم في باقي دول العالم، بات السوري ملعونا من الجميع، ومكروها من الجميع، فالسوري يائس وحزين ويحمل مظلوميته في عينيه، والناس عموما تخاف من الحزن وحامليه، تتطير شراً منه، تخشى أن تصاب بعدواه فتبتعد عن أصحابه كفعل غريزي، يساعدها في ذلك قرارات الأنظمة والح كومات، لاسيما العربية منها، التي أرادت تربية شعوبها بالسوريين من جهة، ومن جهة ثانية استخدام السوريين في بلادها كورقة ضغط على المجتمع الدولي، سياسيا واقتصاديا.
طبعا الحديث عن الدمار المريع، ومحو مدن وبلدات بأكملها عن وجه الأرض، وامتداد مساحة المقابر، وتدمير وسرقة آثار تعود إلى آلاف الأعوام، والتهجير والتغيير الديموغرافي، والقتل والذبح والاغتصاب والحرق والخنق والحصار وما خلفه ذلك كله، أصبح الكلام عنه نافلا، إذ يكفي أن يأتي اسم سوريا حتى تتوارد إلى الذهن آلاف الصور والمشاهد والفيديوهات على سبع سنوات كاملة من كارثة لم يسبق لها مثيل في تاريخنا البشري الحديث.
غير أن شيئا واحدا نادرا ما يحكي عنه أحد في المرويات السورية الحالية: هو رغبة السوريين في تدمير رموزهم الثقافية والإبداعية وتحطيمها، وأتحدث هنا عن الذين فارقوا الحياة قبل 2011، عن الذين لا يمكن لأحد التكهن بما سيكون عليه موقفهم من الحديث السوري لو كانوا ما زالوا أحياء، لا عن الأحياء الذين يتحملون وزر مواقفهم مهما كانت،

بقلم : رشا عمران

رشا عمران