كتاب وأراء

كــثـيرا مــا نـقــرأ

نقرأ ونسمع كثيراً «كان ألثغ بيِّن اللثغة» وهذا خطأ، «اللثغة» بالضم وليست بالفتح، وأشهر ألثغ في التاريغ الفكري والأدبي العربي «أبو حذيفة واصل بن عطاء» وكانت لـُثغته بالراء شنيعة، فألغى حرف الراء من كلامه. كان في الجهاد، وفاجأهم العدو، فقال لغلامه «ألبِد الجواد» ولم يقل أسْرِج الجواد. وسمع أن بشار بن برد شتم عمر وعثمان وعلياً رضي الـلـه عنهم فقال «أما ها هنا أحد يذهب إلى هذا الأعمى المكنى بأبي معاذ من يسكته؟ أما والـلـه لولا أن الغيلة من أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، في جوف منزله.
قال: الأعمى، وليس الضرير، وسماه بكنيته كي لا يقول اسمه وفيه راءان، وقال: الغالية، ولم يقل المغيرية ولا المنصورية، وقال: بعثت، ولم يقل: أرسلت، وقال: يبعج، وليس يبقر، وقال: على مضجعه، وليس على فراشه أو في مرقده، وقال: في جوف منزله، وليس في عقر داره، وهي أقوى. قال فيه الشاعر:
ويـجعـل البُـرَّ قـمحاً في تصـرُّفه
وخالف الرأي حتى احتال للشعر
ولم يُطـق مطـراً والقولُ يُعجـلـُه
فعاذ بالغـيث إشـفـاقاً من المطـر
ولواصل خطبة مشهورة ألقاها بين يدي عبد الـلـه بن عمر بن عبد العزيز لما ولي العراق، وتمنيت أن أثبتها لكم لكنها طويلة تبلغ نحو 450 كلمة (أي نصف هذه المداعبات) لكنني أكتفي بأنه ختم بالقول «وأستعتب الـلـه لي ولكم» ولم يقل: أستغفر الـلـه. وأورد حديث واصل بن عطاء للدلالة على أن لا شيء مستحيل، فالمرء يستطيع بتدريب نفسه ومِرانها أن يصل إلى حيث يريد في اللغة.
نقول بالعامية «إنه واطي» ونعني به من كان بلا همّة أو أخلاق، ونقول «الحيط الواطي» أي الجدار المنخفض وليس عالياً، ويستخدم هذا القول رمزياً لوصف من لا يستطيع ردّ أي عدوان عليه، فيستهتر به الجميع. وفي الخليج يقولون «الطوفة الهبيطة» والطوفة هي الجدار، والهبيطة هي المتهدمة. وأصل كلمة الواطي «الواطئ» وهو من فعل «وطِئ» ونقول: وطِئ الشيء يطؤه وطـْاً: داسه. والموطئ: الموضع، ألسنا نقول: ليس له موطئ قدم؟ والواطئة والوطـَأة من الناس: أبناء السبيل لأنهم يطؤون الأرض، ولعلهم سموهم بهذا لأنهم لا يركبون الدواب.
كان الفنان فيلمون وهبي ملحناً مبدعاً شرقياً أصيلاً، وممثلاً خفيف الظل، لكنه كان من أقدر الناس على إثارة الضحك، حتى لو كان يحكي حديثاً عادياً. أذكر لقاء قديماً أجرته معه إحدى المذيعات، ولم تستطع أن تكمله، لأن الضحك كان يغلبها. كان فيلمون في بعض اسكتشاته يشبه «جحا» الذي كان «يمرر» ما يشاء مغلفاً بنكتة. في إحد الفقرات يقول فيلمون «أيتها الجماهير الغفورة» فيرد عليه أحدهم «إنها الغفيرة» ويتكرر الموقف ثلاث مرات، فيقول فيلمون «ولك يا ابني، إنها الغفورة، لأنها تتحمل كثيراً ومع ذلك تغفر» فمن أين جاءت الغفيرة؟
الغفورة والغفيرة من جذر واحد «غفر» والغفور والغفار من الأسماء الحسنى، و«غفر» له الإساءة: سامحه، وأصل الغفـْر التغطية والستر، وغفر الله ذنوبه: أي سترها، زكان المقاتلون يرتدون تحت بيضة الرأس (الخوذة) نسيحاً من حديد ويسمونه «المِغفـَر» وقالوا: اكتسـيت من الشـيب عـمامة غـفراء، ولذلك يقال: غـفر الشـيب بالخضاب وأغـفره أي سـتره.
وقالوا: جاء القوم جمّاً غفيراً وجمّاء غفيراً، أي جاؤوا بكثرتهم لم يتخلف منهم أحد. والغفيرة: الكثرة والزيادة، من قولهم للجمع الكثير: الجمّ الغفير.
نعرف فعل «نما ينمو» (وقال بعض العلماء إن الأصح نمى ينمي) ونعرف النمو والنماء والانتماء، ولكننا نقرأ أحياناً: ونما إلى أو إلى علمي، فما أصل هذا؟
نمَى الحديثُ ينمِي: ارتفع. ونمَيتُه: رفَعته. وأنميته: أذعْته على وجه النميمة، وقيل: نَمَّيته، (مشدَّداً) أَسندته ورفعته، ونَمَّيته (مشدداً): بلَّغته على جهة النميمة والإِشاعة، والصحيح أَن نمَيْته رفعته على وجه الإِصلاح، ونَمَّيته (بالتشديد): رفعْته على وجه الإِشاعة أَو النميمة.
وفي الحديث أنَّ النبي،صلى الله عليه وسلم، قال: ليس بالكاذب مَن أَصلح بين الناس فقال خيراً ونَمَى خيراً. وكل شيء رفعته فقد نمَيْته، ولهذا قيل: نَمَى الخِضابُ في اليد والشعر إنما هو ارتفع وعلا وزاد فهو يَنْمِي، وزعم بعض الناس أَن يَنْمُو لغة.
والتنمية كلمة شائعة جداً وهي من قولك نَمّيت الحديث اُنمّيه تنمية بأن تبلِّغ هذا عن هذا على وجه الإفساد والنميمة، وقال الجوهري (صاحب الصحاح): وتقول نمَيْتُ الحديث إلى غيري نَمْياً إذا أسندته ورفعته، ونميته إلى أبيه وأنميته:: عَزَوته ونسبته. وانْتَمَى هو إليه: انتسب. وفلان ينمِي إلى حسبٍ وينتمي: يرتفع إليه. وفي الحديث: مَن ادَّعى إلى غير أبيه أو انتَمى إلى غير مواليه أي انتسب إليهم ومال وصار معروفاً بهم، ونموت إليه الحديث فأنا أنموه وأنميه.
من الأبيات الشعرية المشهورة ولا نعرف قائلها:
لكل داء دواءٌ يُستطبُّ به إلا الحماقةَ أعيتْ من يداويها
والحقيقة أن الجملة الأولى من هذا البيت الشعري «لكل داء دواء» مثل مشهور، ويلحق بهذا المثل مثل آخر مشهور أيضاً «آخر الدواء الكيّ» وقد يقال: آخر الطب الكيّ، وقائل هذا المثل مع أمثال أخرى قيلت في المناسبة نفسها لقمان بن عاد المعروف باسم لقمان الحكيم. والكي معروف، حتى العامة يقولون «الكي» وفي بعض البلدان يقولون «الكوِي» ومنه «كيّ» الملابس، بينما يقولون في أمكنة أخرى «الكوي» وقد تطلق الكلمة على العملية وعلى الملابس المراد كيُّها، وليسوا مخطئين، فالكيّ: إحراق الجلد بحديدة ونحوها، والفعل كوى، ونسمي الأداة التي نكوي بها الملابس «مِكواة» والكلمة نفسها تطلق على الحديدة التي يكوى الجسم بها، ونسمي عامل كيّ الملابس «كوّا» وهذا فصيح، لأن أصل الكلمة «كوّاء» ويجوز أن نحذف الهمزة مثل «شوى يشوي فهو شوّاء» ويمكن القول شوّا، وهذا اسم أسر عربية في مدن كثيرة، ولعل جدهم كان شواءً.
ما من مسلم لا يعرف سورة «الضحى» من القرآن الكريم، لاسيما أنها من قصار السور التي يسهل حفظها، ولا يزيد عدد آياتها عن 11 آية، ونقرأ الآية الثالثة «ما ودَّعك ربُّك وما قـَلى» والأصل «وما قلاك» فحذف الكاف في الفعل الثاني مكتفياً بها في فعل «ودَّع» ونقرأ في شرح السورة أن «القِلى» البُغض، أو هو غاية الكراهية. ولكننا نعرف أن «قلى قلياً» أنضج على المِقلاة، تقول: قليت اللحم على المقلاة أقليه قلياً، إذا شويته حتى ينضح، ونعرف هذا في حياتنا اليومية، لكن الفرق أننا نضع في المقلاة زيتاً. ألا يلفت الانتباه أننا نقول: قلاه يقليه قِلى إذا أبغضه، وقلى الشيء (كاللحم مثلاً) يقليه قلياً إذا طبخه بالمقلاة، هل ثمة ترابط بين المعنيين؟ أعتقد ذلك، فكأن المبغض شوى من يبغضه على المقلاة أو في المقلاة.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين