كتاب وأراء

تأثيرُ الحِصار على مَطبخِ الإعلامِ الخَليجِي

إنَّ الدعاية والحرب الإعلامية أصبحت من أهم الاستعدادات الحربية؛ حيثُ تُعَدّ اليوم جزءًا رئيسًا من المجهود العسكري لكُل دولة، فالحرب الإعلامية الباردة، كما يُعرّفُها الباحث الأميركي فيليب تايلور في كتابه «قصف العقول» هي: «قذائفٌ من الكلمات التي تُختار بعناية، وتُصاغ بحسابٍ دقيق، مُستهدفةً تشكيك شعب دولة العدو وجنوده في قضيتهم، وهدم ثقتهم بقيادتهم وحكومتهم، وفي قدرتهم على تحقيق النصر».
عزيزي القارئ، إنَّهُ في زمن الحرب الباردة، تقوم وسائل الإعلام الجماهيرية بدورها الأبرز في مهاجمة العقل البشري، ذلك العضو الذي لا تستطيع الأسلحة المادية أن تؤثِّر في طريقة أدائه واتجاهاته ومواقفه، لقد قسّمت الحرب الإعلامية الباردة في منطقة الخليج، التي وصلت ذروتها منذ بداية حصار قطر؛ وسائل الإعلام الخليجية إلى حلفين- متجاورين ومتحاربين، فدولة قطر، اتسَمَ موقفها الإعلامي بالوضوح والاتزان واحترام عقلية الجماهير، وذلك بتقديم الأدلة والحُجّة الدامغة والالتزام بالأخلاقيات الإعلامية، بينما قامت دول الحصار بهتك خصوصية البنيان الإعلامي أخلاقيًا ومهنيًا، والغش والتلاعُب بعقول الجماهير.
لقد اشتركت كافّة وسائل الإعلام التقليدية والجديدة في انفجار حرب باردة في منطقة الخليج، وذلك تزامنًا مع حصار دولة قطر، وتميّزت هذه الحرب الإعلامية التي شنتها وخاضتها بلا نزاهة، دول الحصار، بعددٍ من الخصائص التالية، وهي تُعَبِّر عن مشاهداتي المنبثقة من التصاقي بالمطبخ الإعلامي القطري.
أولى هذه المشاهدات هي: «التنابُز بالألقاب والنُعُوت»، فهذا الأسلوب تحدد في اختيار النعوت المسيئة، والألقاب، والتسميات، للإشارة إلى شخصٍ أو مؤسسة أو فكرة، أو ظاهرة اجتماعية، عند الطرف الآخر، قطر.
ومن بين الخصائص التي تميّز بها إعلام دول الحصار، خِصيصَة «الإشارة إلى جهة موثوقة»، فمضمون هذه الطريقة، يكمن في اقتباس تصريحات وآراء أفراد من ذوي الهيبة والاحترام، بحيث يؤدي الاقتباس إلى رد فعل سلبي لدى فئة من الناس المستهدفين، والهدف منه هو إقامة علاقة ثقة (مصطنعة) مع الجمهور، وليكون هذا الأسلوب فعالاً، من الضروري توفر العوامل التالية: ثقة الجمهور بالجهة المقتبسة، شهرتها، ومهاراتها المهنية العالية، وشخصيتها، والمنصب الرسمي العالي (في الماضي أو الحاضر)، وقربها- تأثيرها على الطرف الآخر.
وتبرُز كذلك خصيصَة «المراوغة» أو «خلط الأوراق»، ومضمون هذه التقنية يكمُن في اختيار وتقديم المعلومات والحقائق والحُجَج السلبية فقط، وفي الوقت نفسه، تجاهُل الحُجج والمواقف الإيجابية عند الطرف الآخر، وذلك أنَّ دول الحصار تهدف إلى إظهار جاذبية ما تروِّج لهُ من أفكار ووجهات نظر وإحداث التأثير على الجمهور المؤيِّد لموقف قطر.
قارئي العزيز، لقد برزت «السُخرية» كأكثر الخصائص وضوحًا وتجليًا، ويحدُث ذلك في تعريض شُخوص وكيانات كبيرة للسخرية والتصعير، إضافة إلى السخرية والتقزيم من الآراء والأفكار والبرامج والأنشطة عند الطرف الآخر، كما برزت بدورها، خاصة في بداية الأزمة، خصيصَة «التصنيفات»، هذه الطريقة تتم عبر قيام جهة أو منظمة بإصدار لائحة تصنيفات معينة، بهدف التأثير على الرأي العام ونيَّة صدم الطرف الآخر بالنتائج الوهمية المضللة المنشورة.
ويعتبر «خِطاب الكراهية» من خصائص هذه الحرب الإعلاميَّة المقيتة، فالكراهية هي الرسالة المبطنة التي نشرها إعلام دول الحصار. ويُمكن القول إنَّ خطاب الكراهية، وهو مصطلح حقوقي فضفاض، يُمكن أن يُعرَّف بكونه «أيُّ عباراتٍ تؤيد التحريض على الضرر»، وقد أسهمت دول الحصار، من خلال وسائل إعلامها التقليدية والجديدة، بنشر سيل من الخطابات المليئة بالكراهية والمحرضة على الحقد والعُنف والعُدوان؛ حيثُ رصدت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان مئاتٍ من حالات خطاب الكراهية والتحريض على العنف التي وصل بعضٌ منها إلى حدّ التحريض على استهداف دولة قطر بعمليات إرهابية وتخريبية، والتحريض على ضرب دولة قطر ووسائل إعلامها بالصواريخ، كما امتد خطاب الكراهية والتحريض على العنف؛ إلى بعض الأعمال الفنية الدرامية والغنائية وتسخير هذه الأعمال لترهيب وترويع المواطنين والمقيمين في دولة قطر في سابقة تكاد تكون الأولى من نوعها بالمنطقة العربية.
أيُّها القارئ المنصف العاقل في كُلِّ مكان، إنَّ الخطاب الإعلامي الموجه إلينا من قبل دول الحصار؛ خطابٌ غير عقلاني ولا يتكئ بتاتًا على عُدَّةِ معرفيَّة، رُغم طول العِشرَة مع هؤلاء الأشقاء، كما أنَّهُ خطابٌ يميلُ إلى اختزال عددٍ من الصور الذهنيَّة النمطيَّة التي لا وجود لمرجعياتها في التاريخ أو الواقع القطري، ومن ثم فنحنُ اليوم نجني آثار هذه الثقافة التي يُنتجُها مثل هذا الخطاب، الذي يملأُ علينا الفضاء الإعلامي، أو بالأحرى يجنِي وجَنَى ثمارها صُناع هذا الخطاب، فتلك الشعوب وذلك القائمُ على الاتصال لديهم؛ من رئيس التحرير إلى القائم على تنفيذ البرامج في الإذاعة والتلفاز وصولًا إلى (المغرِّد) في منصات التواصل الاجتماعي، جميعهم ما جنوا إلا تراجُعًا أخلاقيًا وإعلاميًا وثقافيًا وحضاريًا كبيرًا.
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي