كتاب وأراء

«5 + 1» والاختناق الدبلوماسي

الانسحاب الأميركي من اتفاق (5 +1) بشأن الملف النووي الإيراني، تحوّل غير مسبوق في ملف العلاقات الدولية، وقد يفتح المجال للانتقال من الاختناق الدبلوماسي الذي تَسَببَ به القرار الأميركي الآن إلى بوابات العمل العسكري في منطقة اتخمت بالصراعات والحروب خلال العقود الأخيرة.
إن ترجيحات الانسحاب الأميركي من اتفاق (5 +1) كانت متواضعة أو منخفضة التوقع، على ضوء الموقف الأوروبي المُتحفظ بشأن الموقف الأميركي، فقد سعى الأقطاب الأوروبيون، بما في ذك الحليف الأساسي لواشنطن، ونعني به حكومة تيريزا ماي البريطانية، لثني الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتخاذ قرارٍ بالانسحاب من الاتفاق، كذلك فعلت المستشارة الألمانية ميركل والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون. فالأوروبيان متضرران جراء الموقف الأميركي الأخير، حيث المصالح الأوروبية تَصُب الآن في سياق إعادة بناء العلاقات مع إيران اقتصادياً وتجارياً، وتنمية الاستثمارات الأوروبية في إيران خاصة المتعلقة منها بالنفط والغاز.
الآن، المجتمع الدولي أمام ملفٍ جديدٍ غاية في التعقيد، وهو ما عَبَّرَ عنه الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتريش الذي أشار إلى «القلق الكبير جراء القرار الأميركي ومستتبعاته المتوقعة على أكثر من صعيد». حيث بات ملف اتفاق (5 +1) أمام جملة جديدة من الاستعصاءات التي تتطلب تفاوضاً جديداً قد يدوم سنوات وسنوات حال تمت إعادة تطبيق كامل العقوبات الأميركية على إيران بعد ستة شهور، وهو ما يُصيب بالضرر المصالح الأوروبية، ويُزعج الأطراف الدولية الكبرى التي تَقِف على الضفةِ الثانيةِ من الاتفاق، ونعني بها روسيا والصين الشعبية على وجه التحديد، وهما طرفان موقعان على اتفاق (5 +1) ومعنيان به تماماً.
إنَّ واشنطن لا تُريد العودة للتفاوض بشأن الملف النووي الإيراني فقط وبشأن الرقابة الدولية وإعادة رسمها وصياغتها وبرمجتها، بل تُريد أيضاً إدخال السلاح الصاروخي (البالستي) الذي تمتلكه طهران في رزمة ملف التفاوض، واعتباره كجزء من الموضوع برمته وليس معزولاً عنه، وهو ما يُدخِل الأمور في دهاليز جديدة قد لا تفضي لتوافقاتٍ، بل ستؤدي على الأرجح لمفاوضاتٍ مستديمة، لا تريدها مختلف الأطراف الأوروبية المعنية (بريطانيا + فرنسا + ألمانيا) وبالطبع الصين الشعبية وروسيا.
إذاً، نحن الآن أمام أزمة دولية جديدة، وخانقة، حيث تَدخُل أطراف مستفيدة من بوابات الانسحاب الأميركي من اتفاق (5 +1)، فالدولة «الإسرائيلية» وحكومة نتانياهو تتنفس الصعداء الآن، وترى بأن الفرصة قد لاحت لتحقيق مصالحها، وفي المقدمة تحشيد المجتمع الدولي بقيادة واشنطن للقيام بعملٍ عسكريٍ في المنطقة، واستهداف قدرات إيران.
أغلب الظن، أنَّ واشنطن لن ترتكب أخطاء جديدة في المنطقة، ذات بعد استراتيجي، بمعنى أنها لن تُغامر بعملٍ عسكريٍ كبيرٍ يستهدف إيران، حيث نالها ما نالها من العراق خلال عقدين من الزمن، ولم تَعُد بحاجة لمغامرة عسكرية كبرى، وهذا لا يلغي إمكانية القيام بأعمال عسكرية محدودة.
البدائل التي تراها واشنطن في مواجهة إيران الآن، لن تكون عسكرية بالرغم من التسخين «الإسرائيلي»، بل ستكون بممارسة الضغوط الاقتصادية، والتجارية، والعقوبات، ومعاقبة الدول التي تتعامل مع إيران تجارياً واقتصادياً، وبالتالي خنق إيران، ومحاولة التأثير عبر تلك الضغوط على واقع إيران الداخلي، والسعي لتفجير الأزمات الداخلية جراء الضائقة الاقتصادية التي قد تقع.

علي بدوان