كتاب وأراء

نتائج الانتخابات اللبنانية.. والتبدل في المشهد السياسي

انتهت الانتخابات النيابية اللبنانية إلى إحداث تغيير كبير في المشهد السياسي الذي ساد في لبنان منذ عام 2005 عندما تبدلت لوحة موازين القوى في البرلمان لمصلحة فريق 14 آذار الذي نال الأكثرية النيابية مستفيدا من جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن ثم تمكن أيضا من الاحتفاظ بالأغلبية في انتخابات عام 2009 وظل محتفظاً بها منذ ذلك الوقت بسبب التمديد المستمر للمجلس النيابي مما أثار نقمة اللبنانيين خصوصا أن الحكومات التي سادت منذ عام 2005 لم تحل أي مشكلة أو أزمة من الأزمات التي يعاني منها اللبنانيون، بل إن الأزمات تفاقمت على نحو غير مسبوق وعلى المستويات كافة، الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية والخدماتية.
من الواضح أن نتائج الانتخابات لعام 2018 منحت الأكثرية النيابية إلى فريق الثامن من آذار وحليفه التيار الوطني الحر حيث تقدر كتلتهما النيابية بنحو 78 نائبا موزعة على النحو الآتي: 50 نائبا لكل من حركة أمل وحزب الله والقوى والشخصيات الوطنية الحليفة لهما، ونحو 28 نائبا للتيار الوطني، في حين مني تيار المستقبل بخسارة كبيرة تمثلت بانخفاض حجم كتلته النيابية من 35 نائبا إلى 21 نائبا، بينما فقد حزب الكتائب والعديد من نواب 14 آذار مقاعدهم لمصلحة القوات اللبنانية.
على أن هذه النتيجة التي أنتجت مجلسا نيابيا جديدا، قد أسهمت في صنعها العديد من العوامل أبرزها:
أولا: اعتماد القانون الانتخابي الجديد القائم على نظام التمثيل النسبي والصوت التفضيلي في القضاء والذي أدى تطبيقه إلى إتاحة الفرصة لدى القوى والفعاليات، التي تملك حيثية شعبية، من أن تصل إلى قبة البرلمان، بينما كان من الصعب عليها أن تتمثل في ظل القانون الأكثري الذي كان معتمدا في العقود السابقة وكان يمكن الطبقة السياسية المهيمنة على السلطة من إعادة إنتاج هيمنتها في كل انتخابات جديدة.
ثانيا: فشل سياسات فريق 14 آذار في حل أزمات البلاد بل وتسببت هذه السياسات في زيادة المديونية العامة التي ناهزت الـ 86 مليار دولار والعجز في الموازنة الذي تجاوز الـ60 بالمائة، وتفشي الفقر والبطالة في البلاد لاسيما في أوساط الخريجين الذين باتوا يبحثون عن فرص العمل في الخارج، هذا عدا عن استمرار أزمة التيار الكهربائي وعدم معالجتها رغم مرور أكثر من 18 عاما على انتهاء الحرب الأهلية، إلى جانب تفجر أزمة النفايات وما سببته من أمراض وتلوث.
ثالثا: تفريط قوى 14 آذار بالسيادة الوطنية وعدم تصديها للاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، بل إنها كانت دائما تعمل على محاولة تقويض معادلة الجيش والشعب والمقاومة التي حررت الأرض وحمت لبنان من العدوانية والأطماع الإسرائيلية في ثروات لبنان المائية والنفطية والغازية، كما حمت لبنان من خطر الإرهاب. وقد جاء حدث احتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري في السعودية وإجباره على الاستقالة ومن ثم اضطرار السعودية إلى الإفراج عنه نتيجة ضغط قوى الثامن من آذار والرئيس ميشال عون، في ظل عدم تضامن الكثير من قوى 14 آذار مع الرئيس الحريري، جاء ذلك ليكشف زيف ادعاء هذا الفريق الحرص على السيادة والاستقلال من ناحية، كما جاء ليضعف من تماسك هذا الفريق ويؤثر على شعبيته من ناحية ثانية،وهو ما عكسته نتائج الانتخابات.
من هذا المنطلق فإن المشهد الجديد سوف يؤدي عمليا إلى انقلاب في المشهد السياسي على نحو كبير انطلاقا من الآتي:
1 ـ امتلاك فريق الثامن من آذار وحليفه التيار الوطني الحر الغالبية النيابية المريحة التي تمكنه من تسمية رئيس الحكومة الجديد لتشكيل الحكومة الجديدة، وبالتالي حصوله على أغلبية المقاعد الوزارية وفق ما ينص عليه الدستور، وهذا يعني انتقال قرار السلطة التنفيذية إليه.
2 ـ تمتع فريق الثامن من آذار وحلفاؤه بالغالبية النيابية توفر له القدرة على سن القوانين والتشريعات في المجلس النيابي.
3ـ انتماء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى التيار الوطني الحر، وهو جاء بفعل موازين قوى وفرها حجمه التمثيلي ودعم قوى أساسية في 8 آذار.
وهذا يؤشر إلى أنه لأول مرة منذ فترة طويلة تكون السلطات الثلاث بيد حلف وطني عريض يملك العديد من القواسم المشتركة التي تتيح له، إذا أحسن الاستفادة منها، أن يحدث تغييرا حقيقيا في السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية المدمرة للإنتاج والتي زادت من حدة التفاوت الاجتماعي، وكذلك العمل على إخراج اللبنانيين من أزماتهم الخدمات المستفحلة، إلى جانب محاربة الفساد المستشري، والذي أدى إلى هدر أموال الدولة ومفاقمة الأزمة المالية، وسيكون التحدي الحقيقي في مدى القدرة على انتهاج سياسات تحقق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية من ناحية، والعمل استرداد أموال الدولة المنهوبة من الفاسدين وإجراء قطع حساب عن السنوات السابقة لمعرفة المليارات التي اهدرت، كيف وأين صرفت، من ناحية ثانية.
إنه التحدي الكبير الذي سيواجه قوى الأكثرية النيابية الجديدة التي باتت تملك القدرة على اعادة إنتاج السلطة المسؤولة عن إدارة البلاد في السنوات الأربع المقبلة.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي