كتاب وأراء

الفلوجة في عين العاصفة الطائفية!

قد لا تكون الفلوجة أول مدينة تُحاصر ويتم قصفها وتدور على أطرافها حرب مريرة، فقد شهدت المنطقة منذ الغزو الأميركي للعراق الكثير من الفظاعات والقـتل وسفك الدماء والفلوجة نفسها قُـتلت مرتين من قبل! كذلك لن تكون الفلوجة أول مدينة تحاصرها حشود طائفية وتدخلها عنوة وتـفتك بأهلها المقاتلين والأبرياء، لا قدر الله! فقبلها كانت القصير ويبرود وحمص والكثير من بلدات الغوطة الشرقية والغربية في سياق حرب طائفية لا تبقي ولا تذر! الفلوجة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ولكن للحرب عليها حكاية معقدة لابد أن تُسرد وتداعيات مؤلمة لا بد أن تُفهم!
حكاية الفلوجة تبدأ بالثأر ولن تـنـتهي إلا بالثأر! كل الذين يحاصرون الفلوجة اليوم لديهم ثأرات قديمة معها أو مع الفـئة التي تمثلها! فأميركا مازالت تـتذكر ثأراتها مع الفلوجة ومقاومة الفلوجة وما سبـبته من كسر كبرياء الكاوبوي الأميركي طوال سنوات احتلال العراق المريرة! وللحشد الشيعي والحكومة العراقية ثأرات مع الفلوجة وأهلها قديمة وحديثة لا يمكن أن تُـنسى بسهولة! أما الحشد العشائري السني فله ثأرات قبلية واضحة نـتجت من هزيمة «الصحوات» المؤلمة!
المشكلة هي أن هذه المعركة نفسها ستـثير ثأرات جديدة يصب عليها السياسيون المستـفيدون كلما خفت مزيدا من زيت الأحقاد والضغائن!
لقد تم حشد الحشد تحت نوعين: الحشد الشعبي الشيعي وأوكلت له مهمة محاصرة الفلوجة كما يقال لكنه اقـتحم بعض البلدات المحيطة بالفلوجة وصنع بها فظائع لا تختلف كثيرا عن فظائعه في المقدادية وصلاح الدين وديالى وأزقة بغداد الخلفية!
والحشد الثاني الذي حشد في مقدمة القوات التي تهاجم الفلوجة هو الحشد العشائري وغالبه من قبائل الأنبار السنية! وليس لهذا الحشد العشائري مهمة عسكرية بقدر مهمته التي تصنف كمهمة «علاقات عامة» لتصوير المعركة وكأنها معركة سياسية بحتة لا تستهدف أهل السنة في العراق!
والغريب في حكاية الفلوجة أمران: الحشد وفيلق القدس، وبينهما سؤال: إذا كان اقـتحام الفلوجة عسكريا لا يحتاج كل هذا التهويل فلماذا يتم تهويل معركة الفلوجة وكأنها إحدى المعارك الحاسمة في الحرب العالمية الثانية؟ هناك إصرار غريب من قبل الحكومة العراقية وحلفائها (أميركا) على إظهار مشاركة الحشد الشعبي الشيعي وجيش القدس (الحرس الثوري الإيراني) رغم أنه لا توجد حاجة عسكرية لكل هذا الحشد والتهويل!
من الواضح أن الأمر أبعد من حاجة عسكرية ويدخل في صميم الحاجة السياسية حيث يلتـزم الأميركان التـزاما أدبـيا عجيـبا بأن يكون لإيران وحلفائها «دور محوري» في سايكس بيكو جديدة تمزق منطقة الشرق الأوسط إلى قطع صغيرة تصلح أن تكون قطعا في لعبة الشطرنج الشيقة!
من ناحية أخرى، هناك حرص على إبراز مشاركة قاسم سليماني ذاته وهو يشرف على معركة الفلوجة في أكثر من تـقرير وصورة! وفي هذا رسائل قاسية للعرب والعجم والغرب! رسالة إيران للغرب مختصرة مفادها «نحن شركاء في التـقسيم» وهم أي الغرب موافقون وكذلك الروس! ورسالتها للعجم واضحة «إنه عصر الملالي» وهم أي العجم فرحون مستبشرون! أما رسالتها للعرب فهي تاريخية «ويل للعرب من شر اقـترب»! وهم أي العرب يتـفرجون على قاسم سليماني ويصفقون! وهذا ما تصنع الغفلة التاريخية منذ ملوك الطوائف.
إيران تـتباهى بمشاركتها في الحرب على الفلوجة اليوم والحرب على الموصل غدا كما تـتباهى وتعلن بكل وضوح حربها على مدن سنية أخرى مثل حلب والغوطة ومن قبلها حمص!
ولإيران كما هو واضح الضوء الأخضر لتـفعل ما تـشاء في بلاد الهلال الخصيب ومازال بعض العرب يضع رأسه في الرمال وينكر تداعيات الاتـفاق النووي الأميركي الإيراني ويتهرب من تصديق اكتمال عملية الابتلاع الإيراني الطائفي لمدن وعواصم عربية بالحديد والنار!
وستكون لإيران اليد الطولى في صنع مستـقبل المنطقة كلها بمنطق القوة العسكرية والحشود الطائفية من ناحية ومنطق الدعم الغربي اللامحدود من ناحية أخرى!
المسألة المثيرة للحزن في حكاية الفلوجة هي أن عددا من الصحف الخليجية ومنها بعض الصحف السعودية الرسمية استخدمت مصطلح «تحرير الفلوجة» في عناوينها رغم ما تمثله هذه المعركة من مخاطر استراتيجية على دول الخليج نفسها! بل إن بعض مآلات هذه المعركة جاءت على لسان قائد من قادة الحشد الشعبي الشيعي بشكل لا لبس فيه حيث قال أوس الخفاجي «بعد الفلوجة الدور على دول الخليج»!
هل تـنصت دول الخليج للشاعر نصر بن سيار وأبـياته الشهيرة التي أدى فيها دور النـذير العريان (بتصرف):
أبلغ (العرب) وخير القول أصدقه
وقد تيقنت ألا خير في الكذب
بأن أرض (إيران) رأيت بها
بـيضا إذا أفرخت حدثت بالعجب
فراخ عامين إلا أنها كبرت
لمّا يطرن وقد سربلن بالزغب
فإن يطرن ولم يُحتل لهن بها
يلهبن نيران حرب أيّما لهب
د. صنهات بن بدر العتيـبي

د. صنهات العتيبي