كتاب وأراء

تعالوا نندبْ أنفـسنا

نعـدّ السـنين سـنة وراء أخرى، ألم يعـد لنا من عمل سـوى أن نحسـب عـمر النكبـة؟! من قاتلوا رحلوا، ومن ولـدوا معها صاروا كهـولاً وشـيوخاً، ومن ولـدوا بعدها عاشـوا العمر يراقـبون ويرقـبون ويترقـبـون وينـتـظرون، لم يرثوا ســوى الحـزن والآمال الكبار التي تقزّمت حتى صارت تضحك الباكين، ثم ماتت واحداً تلو الآخر.
وتهب الريح من الجهات كلها، والريح عقيمة وتقود سـحاباً لا يمطر سـوى نكبات صغار، وتقرحت الجفون، وحفـر الدمع في الوجوه أخاديد، ونريد أن نـنسى، فـيستعصي النسـيان، ونريد أن نتحرك، لكن القـيود كثـيرة. ونشـكو طول ليل النكبة، ولا يبدو الفـجر قـريباً، بل يزيد الظلام حلكة، وتدلهمّ الغيوم التي تمطر حزناً وفواجع، أتراهم أدمنوا اللجوء والحزن والرحيل؟!
نُكبنا .. من الذي نُكب؟ الفلســطينـيون؟ من نكبـهـم؟ اليهـود الصهاينة والمسـتعـمرون؟ أم أشـقاؤهم وأبناء عـمومتهـم؟ أم نكب العرب جمـيعاً؟ فلـماذا تنكبـوا عن طريـق الصـواب؟ المصيـبة أن الطفل الصغـير يعـرف الطريق، ويعـرفه حتى المجـنون، ولكن أحداً لا يريد السير فيه، ويبحثون عن طرق بديلة لا تفضي إلا إلى مزيد من المتاهات. كانت كلمة اللاجئين في المفردات العربية مرادفة للفلسطينيين، لكنهم فقدوا هذا الامتياز.
قلت مرة: مشكلتي الصغرى أن ألقى من يحمل عني جزءاً من همي/ مشـكلتي الكبرى أن ألقى من يمسح ذاكرتي. نعود بالذاكرة سنين وسنين .. يا للهول .. هل قيل كل هذا الكلام؟ هل أطلقت كل هذي الوعود والعهود؟ ما الذي حـدث؟ ولماذا ينزل السـقف يوماً بعد يوم؟ ولماذا نحن كالأيتام على مائدة الـلئام؟ قـال الماس لـلفحم: ألسـنا إخوة؟ فـمـن أيـن لـك هذه الهشـاشـة؟ ونقول لهم: ألسنا إخوة؟ فمن أين لكم كل هذا الخوَر؟! هل عزاء في العودة إلى التاريخ؟ أليس هذا كمن يهرب من واقعه إلى عالم تصنعه الخمرة والمخدرات:
أغـزو عـموريَّة في الـلـيـل أحـرِقهـا وشِلـْو أختي غذاء الطير في النـقـَـب
كأنّـما أنـا جمـعُ اثـنـين: سيفِ وغىً معـذّب الروح في غِـمد من الخشـبِ
أدمنا البكاء والعويل ولطم الخدود وشق الجيوب، وليتنا وقـفنا عند هذا، ولكنا أدمنا الكذب والدجل وتجارة الكلمات والخطب والمؤتمرات والبيانات، والعنتريات التي ما قتلت ذبابة، وطلّقنا الخجل، وصرنا أضحوكة العالم. لا تصدقوا هذا العالم المنافق، أو ما يسمى الرأي العام العالمي، عندما يبدي تعاطفاً معكم، نحن مهرجو السيرك العالمي الكبير، وليتنا نقوم بعملنا بصدق، لأن ما نفعله لا يدفع إلا إلى ضحك كالبكاء أو خير منه البكاء.
كل عام وأنتـم في حزن وضياع يا أهـلي الفـقراء المشـردين المقهورين اللاجئـين مرات، سنلتقي في العام القادم لنقيم مناحة أخرى.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين