كتاب وأراء

نكبتنا الكبرى

ليس من قبيل المصادفة أن تمر ذكرى النكبة هذا العام بصمت عربي فاضح وبالغ الوقاحة، ففي الوقت الذي تقيم فيه دولة إسرائيل المحتلة احتفالات علنية بكبرى العواصم العربية والعالمية، بما يسمى اليوم الوطني لإسرائيل، أو ذكرى تأسيس هذه الدولة، لا تكاد ذكرى النكبة التي كانت وبالا على أمة العرب أن تمر على خاطر أحد سوى بعض الذين مازالوا يرون في قضية فلسطين قضية العرب جميعا، إذ منذ النكبة تأسس الخراب الذي حل ببلادنا ومجتمعاتنا العربية، كما لو كان ذلك الحدث الكبير عام 1948: احتلال فلسطين من قبل الجماعات الصهيونية وإعلان دولة إسرائيل، وتشريد ما يقارب المليون فلسطيني من أرضهم وبيوتهم، هو اليوم المشؤوم الذي سيؤسس لكل ما يحدث في بلادنا اليوم.
سبعون عاما منذ ذلك اليوم وحتى الآن، والعرب يعانون الهزيمة تلو الأخرى، وعلى كافة الأصعدة، سياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، على المستوى السياسي تم اختزال الوجود العربي ودوره في المحافل الدولية حتى بات شكليا فقط، أو تمت مصادرته من قبل قوى دولية وإقليمية أخرى، وتحولت الأنظمة تحت الشعارات الوطنية الرنانة إلى أنظمة استبداد وقمع وفساد، وتحولت من أنظمة جمهورية إلى أنظمة عائلية ومذهبية قمعية إجرامية.
على المستوى العسكري، ألحقت الهزيمة تلو الأخرى بالعرب، وخسرت كثير من الدول العربية مزيدا من الأراضي لصالح دول أخرى، ومنها إسرائيل بطبيعة الحال، واتفاقات السلام التي حدثت وأعادت جزءا يسيرا من المحتل، كانت بشروط مجحفة بحق الطرف العربي، وبمنع استعادة السيطرة الكاملة على هذه الأراضي.
اجتماعيا، تم الشغل بشكل ممنهج على تجهيل الشريحة الأكبر من المجتمعات العربية، وإلهائها بالفكر الغيبي المتخلف، وبتأمين لقمة عيشها، كما تم القضاء بشكل شبه نهائي على الطبقة المجتمعية الوسطى الحامل الرئيسي لأي تغيير إيجابي، واستحكمت المؤسسات العسكرية والأمنية السلطوية بالمجتمعات، فتمت مصادرة الحريات الفردية والعامة وبنيت المزيد من المعتقلات، وتم اختراع تهم جاهزة لكل من يعترض على سياسات الأنظمة، التي تحالفت مع المؤسسات الدينية لفرض مزيد من القمع والتغييب على شرائح المجتمع.
اقتصاديا، انعدمت التنمية بالكامل في المجتمعات العربية، وغرقت خزائن الدول بالقروض لصالح البنك الدولي الذي فرض شروط السوق الاجتماعية على منظومات اقتصادية فاشلة، وباتت مرهونة لديونها الخارجية دون أي خطط تنموية قريبة أو بعيدة، بعد أن تدمرت الزراعة والصناعة والتجارة، وانخفض المعدل الاقتصادي إلى أدناه.
أما ثقافيا، فهنا الحديث يحتاج إلى مطولات لما وصلت إليه حال العرب من انحدار على مستوى الوعي والتعليم والثقافة والفكر وتجديد الخطاب المجتعي والخطاب الفكري النقدي والتنويري، حتى على المستوى الإبداعي الفردي، تم إقصاء المبدعين الحقيقيين لصالح شريحة تعتنق ثقافة سلطوية، هدفها التبرير لكل أفعال الأنطمة أو تبييض سمعتها.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران