كتاب وأراء

سوبر ماركت رمضان

يأمل بعض مفكري الغرب أن تستطيع الرأسمالية مع موجاتها المتعاقبة وفي صورة متقدمة من صورها الاستهلاكية أن تحتوي الدين بصوره أو بالأحرى لكي يمكن تقديمه حسب الطلب وحسب المواصفات التي يريدها المستهلك حين يتجول في السوبر ماركت ليختار ما يريد من بضاعة حسب ذوقه وشروطه وقدرته المادية. لك أن تتصور يا سيدي أن بإمكانك أن تختار من الدين ما يناسب ميولك ونظرتك للحياة طالما أن الدين اختياري والعقيدة ليست اجبارية. فأنت بالتالي أمام تنوع مدهش، هذه النظرة الاختزالية التي تستبعد الجانب الروحي كجانب اساسي له مدخلات التي قد لا يمكن حسابها أو يستحيل حسابها ماديا وانما هي هوى يستقر في النفس لتتحرك به الاعضاء، يعتقد البعض انه بالامكان تحويل الجانب الروحي إلى مجال اختيار مع الوقت.
اعترف أن هناك تقدما مع الوقت في هذا المجال حققته القفزة الاعلامية المتطورة يوما بعد آخر مع القنوات الفضائية ووسائل الاتصال الاخرى المتكاثرة بجميع الاشكال، اصبح بامكانك أن تختار داعيتك المفضل حسب الطلب بالشكل والصورة والاسلوب الذي تحب والوقت الذي تريد كذلك. ويمثل شهر رمضان السوبر ماركت الكبير لمثل هذا الاختيار فدعايات البرامج والمشايخ تحتل الصحف والمجلات قبل الشاشات، أليس هذا يعد تقدما في سبيل تسليع الدين وادراجه في السوبر ماركت مع البضائع الاخرى. هذا على الاقل فيما يتعلق بمجتمعاتنا الإسلامية، اما المجتمعات الاخرى فالأمر اكثر تقدما منذ زمن فحين استعصى على احد ملوك بريطانيا الزواج انتقل إلى عقيدة داخل الدين المسيحي أو بالأحرى انشأ عقيدة اخرى واسماها الكنيسة الانجليكانية.
عندما يعتقد البعض اننا نعيش للدين وليس بالدين يصبح في الامر معضلة. الدين جاء لتخفيف معاناة الإنسان ولإرشاده لما يسعده في هذه الدنيا. الدين جاء لنحيا به لا من اجله إلى أن تحين النهاية. النظرة لتسويقه جاءت لاعتقاد الغرب وليس كله بالطبع انه في مواجهة مع الإسلامي، هكذا خيل له أو جعله البعض يتصور ذلك نتيجة سوء العرض لهذا الدين الإنساني الخاتم.
أنا اعتقد ما لم تكن لدينا القدرة لإظهار الإسلام كما أراده الله رحمة للعالمين فعلينا وزر، أما اذا عرضنا بما يخالف ذلك فعلينا وزران.
أعتقد أن من أول بدايات دخولنا عصر التسليع الديني لاشعوريا هو التركيز على رمضان والقنوات الفضائية والتسابق على عصرنة الإسلام بحجة أو بأخرى وتكاثر الدعاة بين ظهرانينا في حين أن في شبابنا وبدايات النهضة في دولنا في الستينيات وأوائل السبعينيات كان الدين كالهواء النقي نتنفسه ونسعى اليه ونعيش به ونحن لانملك قناة واحدة ولا سوبرماركت من حولنا وكان شيوخنا هم آباؤنا واجدادنا فلم نشعر بغربة الإسلام ولا بزيه المحدد ولا بأنيابه التي اصطنعوها..
اللهم بلغنا رمضان وارزقنا صيامه وقيامه.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر