كتاب وأراء

رمضان بينَ الرُوحِي والمادِّي

رمضان موسمٌ روحي بامتياز، وقد جاءت الحكمة من الصيام كمقصدٍ من مقاصد الشريعة الإسلاميَّة السمحة التي هدفت إلى تحقيق التقوى، وهي فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه، كما أنَّ الصيام موجبٌ للرحمة والرأفة بالمساكين الذين يتضورون جوعًا بسبب ضعف الحال، يقول الشيخ محمد الخضر حسين في دوريّة (السعادة العُظمى): «إنَّ الصيام في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس، كالكلام والطعام والشراب والنكاح، وفي الشريعة الإمساك عن المفطرات بياض النهار، وشرع الصيام لتصفية مرآة العقل، ورياضة النفس بحبسها عن شهواتها وإمساكها عن خسيس عاداتها، وليذوق الموسرون لباس الجوع؛ فيعرفون قدر نعمة الله عليهم، وتهيج عواطفهم إلى مواساة الفقراء، وللصوم عند من تنبهوا لأسرار العبادات ثلاث درجات: صوم العامة وهو كف البطن والفرج عن شهوتيهما، وصوم الخاصة وهو ما تقدم مع قصر الجوارح عن أفعال المخالفات، وصوم خاصة الخاصة وهو صوم القلب وترفعه عن الهمم الدنيَّة والأفكار الدنيوية التي لا تراد للدين وإلا فهي من زاد الآخرة ومطاياه، وهذه هي الدرجة الكاملة التي جمعت بين عمل الظاهر والباطن».
قارئي العزيز، إنَّه رُغم كل هذه المقاصد النبيلة التي وضعها الشارع للمسلمين، إلا أنَّ موسم رمضان أصبح يتميَّزُ بصفَة التبذير والإفراط في شراء وتحضير الأطعمة على مائدة الإفطار والسحور والغبقة والسحور، حيث تتكبّد الأُسر العربية عناء ومشقة تحديد ميزانيات ضخمة لشهر رمضان الفضيل، فيتحوّل رمضان من طابعه الروحي الخالص إلى طابعٍ مادّي استهلاكي فجّ، حيث تُخطط الأسر إلى إعداد أكثر من صنف من الأصناف الغذائية المالحة والحلوة، وتنظيم وعقد عدد من الولائم والاجتماعات التي يُبذر فيها هي كذلك المزيد من الأطباق التي تفسد صحة الصائم وتفسد روحانيته وتجعلهُ دون قصد يتحول إلى فئة المبذرين المسرفين.
وفي الحقيقة، يُمكن للأسر ضبط ميزانياتهم المعقولة كي لا يهدروا المزيد من الأموال الطائلة في شهر رمضان، وذلك عبر التعامل مع ابتياع مقاضي هذا الشهر، تمامًا كما يتم التعامل مع بقية أشهر العام، وتقنين المشتريات بوضع قائمة بالمشتريات الأساسية؛ الأمر الذي لا يُضفي مزيدًا من المصاريف المبالغة، ويعود هذا الحس الجمعي في الرغبة في الشراء وإعداد الأطعمة بسبب عادات غذائية دخيلة على المجتمعات المسلمة، فموسم رمضان كان يمتاز، دون أيِّ شك، بنوع من التكافل الاجتماعي الجميل، حيث كانت الأسر تُرسل بأطباقها في الفطور والسحور إلى الجيران والمعارف، ليتقاسموا فيها ما أتاهم الله من خيرٍ وفير، لكن وبسبب تأثير وسائل الإعلام وما تبثه من دعاية وإعلانات، أصبحت الجماهير أكثر قابلية لتجربة المنتجات والأطعمة المختلفة التي يتمّ الترويج لها عبر أرخبيل وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، فيجد الصائم نفسه محاصرًا من هذه الوسائل ومدفوعًا لا إراديًا للشراء والتجريب.
وفي الختام، أورد ما جاء بكتاب (في سبيل الإصلاح) للشيخ علي الطنطاوي، حيثُ قال رحمهُ الله: «رمضان يؤلف بين القلوب المتباينة، ويجلو الأخوة الإسلامية، رابطة المسلم أخو المسلم، فتبدو في أكمل صورها، فيتقابل الناس عند الغروب تقابل الأصدقاء على غير معرفة متقدمة، فيتساءلون، ويتحدثون، ثم يتبادلون التمر والزبيب، ويقدمون الفطور لمن أدركه المغرب على الطريق فلم يجد ما يفطر عليه، تمرات أو حبات من الزبيب، هينة في ذاتها، تافهة في ثمنها، ولكنها تنشئ صداقة، وتدل على عاطفة، وتشير إلى معنى كبير». قارئي العزيز، ها هو رمضانٌ العظيم قد أزَفّ، فهل يُمكننا أن نتجاوز كُل خلافاتنا لمادِّية الوضيعة ونُحَلِّق معًا في فضاءات الروح الساميَة الطيِّبَة؟ الهمَّ ارزُقنا كُلَّ الخير ونجِّنا من كُلِّ شّر، واحفظنا بحفظك التامّ.
إعلاميَّة وباحِثَة أكاديميَّة-
جامعة قطر
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي