كتاب وأراء

عن الرداءة وما يليها

«كلما انخفض مستوى تقدم الأمم كلما ارتفع منسوب العنصرية والشوفينية في مجتمعاتها»! لعل هذا القول ينطبق أكثر ما ينطبق علينا نحن، أمة العرب البائسة، دون استثناء، إذ لن نبتعد عن الحقيقة مطلقا إذا ما قلنا أننا حاليا نعيش في أردئ الأزمنة العربية واكثرها سوءا، فإذا كانت من تسمية مناسبة لهذا الزمن فيجب استعارة تسمية: عصر الانحطاط، فلم يسبق أن مر علينا زمن يشبه هذا الزمن الرديء حيث أصبحنا في أسفل الدرك البشري والإنساني والأخلاقي والمعرفي، اصبحنا أمة مهزومة على كل الأصعدة، مهزومة عسكريا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا، لم نعد ننتمي حتى للعالم الثالث، نحن العالم الخامس حاليا. مقسمون ومتناحرون ونحيك المؤامرات ضد بعضنا البعض وضد أنفسنا، خطابنا عنفي ومحرض على كراهية المختلف، حتى لو كان ابن نفس البلد، كارهون للتنوع وكارهون للاختلاف، وكارهون للنجاح، نعيش في الماضي، وياليتنا نعيش في ماض مشرق، بل اخترنا من الماضي أكثر تجلياته تخلفا وتمسكنا به، ومع كل ما نحن فيه من تردٍّ لا ننفك نقدم أنفسنا كعنصريين وشوفينيين حد الفاشية.
ومن الطبيعي، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتيح للجميع التعبير عن رأيه صراحة وعلنا، أن تظهر حقيقتنا على ما هي عليه، حيث لا رقيب يشذب وينتقي ما ينبغي قوله وما لا ينبغي، (وبكل حال حتى غالبية الإعلام العربي المشاهد والمقروء والمسموع صار مسفا إلى درجة مخجلة، فلا عتب إذاً على وسائل التواصل)، إذ يكفي التصفح اليومي لصفحات فيسبوك، ومتابعة تغريدات تويتر لاكتشاف ما نحن فيه من الشوفينية والعنصرية المغلفة باستعلاء غبي مستند على فراغ مهول، إذ ما الذي يبرر استعلاء أهل بلاد الشام على سكان الخليج العربي، ما الذي يبرر استعلاء أهل مصر على باقي العرب؟! ما الذي يبرر استعلاء المغرب العربي؟ ما الذي يبرر استعلاء اللبنانيين على السوريين أو الأردنيين على الفلسطينيين أو المصريين على السودانيين أو التونسيين على الليبيين أو المغاربة على الجزائريين أو السعوديين على القطريين أو الكويتيين على العراقيين وهكذا، ما الذي يبرر أصلا استعلاء قسم من السوريين على القسم الآخر.
يمكن أن نبرر ما سبق حين نرى نفس الاستعلاء ولكن هذه المرة على شعوب الدول المتقدمة! نحن ببساطة نطلق على الشعب الأميركي صفة الغباء، وعلى الأوروبيين صفة الانحلال والكفر، ونعاير الآسيويين بلونهم الأصفر، والأفارقة بلونهم الأسود، ونمارس فوقية مهولة على نساء أندونيسيا والفلبين باعتبارهن مجرد خادمات! ونعاير الهنود بفقرهم والصوماليين بجوعهم، ونسخر من تاريخ إيران (الصفوية)، ونسخر من تركيا (العثمانية)، ونهزأ من روسيا (الشيوعية)، ونكفر كل الأديان الأخرى ونعتبر أتباعها مجرد قطيع مصيره جهنم، نعتبر الجميع خاسرين وفاشلين، الجميع الذين يخطون خطى كبيرة نحو المستقبل، بينما نحن نسعى سعيا حثيثا نحو الماضي المنغلق والمتقوقع، لكننا ما زلنا لا نرى في أنفسنا غير (خير أمة أخرجت للناس) و(خير أجناد الأرض)، مكتفين بها كما لو أنها دريئة تقينا من مخاطر الفشل المتواتر.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران