كتاب وأراء

الزهايمر «القَلَمِي» المبكر

بعيداً عن البيض والثيران، كما جَرَى الحديثُ في الْمَثَل الأجنبي السائر، فإن السرقةَ واحدةٌ مَهْما تَعَدَّدَتْ تجلياتُها. غَيْرَ أَنَّ مِنَ الْمُبْغِض حقيقةً أن يسدلَ البعضُ ستائرَ الأبصار، والآذان، لِيَلْتَقِطُوا نَهاراً جِهاراً أفكارَ مَن يَرْعَوْنَ الأفكارَ ويُرَبُّونَ الأسلوب، فإذا بالفكرة يَحلبُها غيرُهم مِن الباب في الوقت الذي يَعمدُ فيه آخرون إلى امتصاص عَرَقِ الأسلوب.
أَهِيَ أزمةُ عَقلٍ مَغلوب؟!
أَمْ هُوَ مَأْزِقُ كاتِبٍ لم يَعُدْ يُنْتِجُ، فَأَبَى إلا أن يَحصدَ نجاحَ غيرِه؟!
لا مُسَمَّى لهذا غَير مُسَمّى الإفلاس الفكري الذي يَجعَلُ الآخَرَ لا يتوانى عن أن يُمَرِّغَ قلمَه في وحل الانحدار بعد أن يُفْضِيَ به الانتظار إلى الطريق المسدود، إنه انتظار حقيبة الأفكار الهاربة، الأفكار التي خَرَجَتْ ولم تَعُدْ لِتَتَمَدَّدَ في صورة قوالب لا تَختلفُ كثيرا عن تلك القوالب القديمة التي زَهد فيها القُرَّاء اللاهثون خَلْفَ الجديد الْمُشَوِّق.
مُخْجِل، مُخْجِل أن تَرى الآخَرَ يُطارِدُ قَلَمَكَ لِيَصْطادَ فِكرةً ضاربا عَرضَ الحائط بالأمانة الفِكْرِية، وكَأَنَّ قَدَمَيْ الفكرة تَتَأَقْلَمان مع كُلّ الأَحْذِية، على اعتبار أَنَّ كُلَّ نَصٍّ حِذاء.. فهل يَكون الأُسلوبُ بالتالي مُعَادِلاً للجَوارِب؟!
هل تَحتاجُ الفِكرةُ هي الأخرى إلى بَراءةِ اختراع؟!
هل يَحتاج الكاتبُ إلى تحصين حتى لا يَتَسَلَّلَ إلى دائرة إنتاجِه الدُّخَلاءُ؟!
أَمْ هي مُقَدِّمَاتُ الزهايمر القَلَمِي الْمُبَكِّر التي تَجعَل الآخَر يَنسى أنه قَرَأَ فِكرةً «تَرَبَّتْ في عِزِّكَ» قَبْلَ أَنْ يُصَوِّرَ له عَقْلُه أنَّ الأوانَ قد آنَ لِيُدَغْدِغَ بها مَشاعِرَ الْمُتَلَقّي كأنَّكَ لم تَكُنْ؟!
نَحتاجُ إلى جهاز يُجَنِّدُ جَيشا إلكترونيا لمحارَبة الجريمة الفكرية والقَبْض على كُلّ مَنْ سَوَّلَتْ لِقَلَمِه نَفْسُه أن يَمضغَ أفكارَ الآخَرين قافزا كالنمرود مِنْ قضية إلى قضية، بينما هو في حقيقة الأمر لا يَحمل قضية.
نَحتاجُ إلى عقل إلكتروني ذَكِيّ يُسَطِّرُ بالأحمر [الذي لا أعترف به في شريعة الألوان] على كل فِكرة تَمَّ تَهريبُها مِنْ نَصٍّ إلى آخَر أو تَمَّ بَتْرُ سِيقانها وأَذْرُعِها وتَشويهها لِتَزْحَفَ زَحْفاً إلى ملعبٍ جَديد لن تُسَجِّلَ فيه أهدافا تُذْكَر.
إذا اكتفى صاحبُ الفكرةِ الحقيقي بالصَّمت، فليسَ لأنه مُغَفَّل «يَرضع سبَّابتَه»، وإنما لأنه رأى مِن الحَرَج أنْ يُخْجِلَ مَنْ لا يَخْجَل أو أنْ يُوَرِّطَه في فضيحة قَلَمِية تَحْمَرُّ لها خَجَلاً خُدودُ تَاريخ الكِتابة عِنده، إن كان له تاريخ.
نافِذَةُ الرُّوح:
«بَيْنَ الضَّمير المائِع والضَّمير العائِم ضَغْطٌ وسُكَّر وهيموفيليا».
«وردُ حدائِقِ الليل لا تَتَفَتَّحُ إلاَّ لِمَنْ أَبْصَرَ بِعُيُون القَلْب».
«لَنْ يغمضَ لي جَفْن مادامَتْ مطرقةُ الحقيقةِ الغائبةِ تُلْهِبُ رأسي».
«سَجِّلْ، سَجِّلْ يا تاريخ، لا مَجْد للجُبَناء إلا تَحْتَ قَدَمَيْكَ».
«تَسْأَلُ الحمامةُ المارَّةُ مِنْ هُنالِكَ وهي تُمازِحُ صاحِبَتَهَا ضَاحِكَةً: ما بَالُ فَمِ الوَرْدِ يَخْجَلُ مِنْ قُبْلَةِ نَحْلَةٍ شَقِيَّة!».
«أَعِدُ بِأَنْ أَحْرِقَ أَحَدَ عَشَرَ أُصْبُعاً إنْ كُنْتُ سَأَتَزَوَّدُ مِنَ النارِ بِحِكْمَةِ بروميثيوس».
«ذاكِرةٌ مَثْقُوبَة تِلْكَ التي تَنفخ في حَطَب الأيَّام الْحُلْوَة ما أن يُزْبِدَ بَحْرُ الشَّكّ الذي تَمُوجُ فيه سفينةُ اللحظة الصَّعْبَة».

بقلم :د. سعاد درير

سعاد درير