كتاب وأراء

خللٌ فنيٌّ

أرجع عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور صائب عريقات، عدم دفع الرواتب لموظَّفي قطاع غزة إلى ما وصفه بخللٍ فنيٍ، ونقصٍ في الإمكانات المادية. وفي الوقت نفسه، نقلت وسائل التواصل الاجتماعي لقطاتٍ لفيديو تصوِّر قيام مواطنين أجانب بإفراغ ما على رفوف أحد السوبر ماركيتس في بلادهم بهدف إرسالها لمواطني القطاع، وخلفهم لافتاتٍ تقول: إن ما تفعله إسرائيل هناك هو عمليات قتلٍ جماعيٍّ.
هذان الحدثان يعتبران خلفيةً مأساوية لحدثٍ آخر، وهو ما نقلته وسائل تواصلٍ اجتماعيٍّ لرجلٍ في غزة في العقد الرابع من العمر، يصرخ بصوتٍ جريحٍ مناشداً الرئيس الفلسطينيّ السيد محمود عباس، بكامل صفاته الرسمية، النظر إلى ما آلت إليه الأمور في القطاع المحاصر المنكوب، والإفراج عن رواتب الموظفين هناك، مؤكداً أنه وأهل بيته يعيشون على الطوى في هذا الشهر الفضيل، وأن بيته يخلو من رغيف العيش الذي يقيم أوَده وأبنائه.
لا ندخل في التفاصيل المأساوية التي يعيشها الأهل في قطاعنا المحاصر منذ أحد عشر عاماً، والمحروم من أبسط حقوق الإنسان المعيشية في غذاءٍ صحّيٍّ، وعلاجٍ طبِّيٍّ، وبنى تحتية سليمة، فالأوضاع-كما تشير الأنباء- آخذةٌ في السوء، وتلك الأحوال لا تصححها أو تعيدها إلى وضعها الإنسانيِّ مكرمةٌ يجود بها الإخوة والأشقّاء، إنها حالةٌ من الانهيار لا تتوقّف عن التَّردّي إلى الأسوأ فالأسوأ.
وفي هذا الخصوص، فإننا نشير إلى ضرورة إيجاد حلٍّ جذريٍّ للوضع المعقَّد الذي يعانيه نحو مليونيْ مواطنٍ عربيٍّ فلسطينيٍّ محاصرين في قطاعٍ طوله خمسةٌ وأربعون كيلومترا ومتوسّط عرضه سبعة كيلومترات، مما يعتبر من أكثر الأماكن كثافةً سكانيَّةً في العالم، وفي ظروفٍ وصفها الراحل «إدوارد سعيد» كتلك التي كان يعيشها المواطنون في معازل السود في جنوب إفريقيا إبّان نظام الحكم العنصريّ فيها.
قطاع غزة حالةٌ إنسانيةٌ وسياسيةٌ ناجمةٌ عن الاحتلال العنصري الصُّهيونيّ في حرب يونيو العام 1967، ثم تخلّي الكيان الصهيوني عن مسؤولياته تجاه المدنيين، وفق الشرائع الدولية الضامنة حقوقهم في ظل الاحتلال. ومن أسفٍ، فإنّ الالتزام الوحيد الذي يؤديه الكيان الصهيوني، هو تشريع اغتيال المدنيين بدمٍ باردٍ لو قاموا بلفت أنظار العالم إلى مأساتهم.
وليسمح لي أخونا الدكتور صائب عريقات، المسؤول عن ملف المفاوضات مع الكيان الصهيوني، وهو من نعرف من الالتزام الوطني، بأن نخبره بأن السبب في عدم دفع رواتب موظفي القطاع ليس خللاً فنياً، ولكنه- في تقديرنا- يحمل كل معاني وتوابع الفشل في إيجاد حلٍّ يضمن إنسانية المدنيين الفلسطينيين الذين تضمن لهم قوانين الحرب أبسط ظروف العيش الإنساني السليم في ظل الاحتلال، وهو- من أسفٍ- ما يفتقدونه.

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل