كتاب وأراء

أيــام هــرب منهـا اللــون

لا يُوجَد جَمال أَجْمَل مِن الروح التي تَسكنكَ، تلك التي لا يَراها الآخَرُ لِيُثَمِّنَها حَقّ تثمين.. ولا يوجَد رُعب أكثر رعباً مِن العالَم البشِع، العالَم ذاك الذي يُحَدِّقُ فيكَ بعيون ميدوزا، بينما تَدِبُّ على حافته أنتَ كالحلزون، تَدورُ حول نَفْسِكَ، نفسك التي يَتسبب لها في الدوار الآخَرون، الآخَرون هم المرعِبون.
حُلْوٌ أن تَكتب عن الرعب، مع أن الرعب حقيقة مُرَّة، لكنه بحر التجربة المالح، تجربة الحياة، ذاك الذي يَدفعك دفعاً إلى الانتقام منها كتابة، ومن ثمة اعتصار لحظاتها الحالفة ألا تَرحلَ دون أن تَقتلعَ معها قلبكَ..
إنه موسم لحظاتك الخائفة يا مَن كنتَ تَأمن للحياة، وما عُدْتَ، خانتكَ عنوة، وما خُنْتَ!
كاتبُنا إدغار ألان بو EDGAR ALLAN POE ماهو سوى ذاك المحارِب الذي وقف في وجه الحياة، وقد اسْتَلَّ سيفَ الترويع لِيُمَزِّقَ به ثوبَ براءتها المزيَّفَ، هي التي لا تَسمح لنا بأن نَتَأَقْلَمَ مع طبيعتها أو نَتَكَيَّفَ.
فلا مجال لتتظاهر لنا، هي الحياة العابرة، بأنها ذات اليد الطاهرة، اليد البيضاء التي تُرَتِّبُ سريرَ أحلامنا بدفئها، وبالْمِثل تُرَتِّبُ أيامَنا الهارب منها لون الحُبّ والأمل.
فارِسُ الكتابة المروعة إدغار ألان بو هو هذا البارع في مراوغة الحياة بما اختلقه لنفسه مِن فنون الرعب. إنه الرعب الذي رسم حدودَ القَصّ عند كاتبنا اللاعب بمقص الإدهاش من باب تأديب الفظائعي والغرائبي والعجائبي.
ويسألون عن اعتناق الكاتب لدين الرعب!
الرعب بحقّ هو ما أَضْمَرَه الزمن لإدغار ألان بو في وقت مبكر، يكفي أن تَضَعَ نفسَك مكانَ إدغار لِتُجَرِّبَ الإحساسَ بِكَيّ الفقد الموجِع، ومتى؟! قبل أن تتجاوز رؤوسُ سنوات عمره ما يَقِلُّ عن رؤوس أصابع اليد الواحدة!
الحرمان يُلْهِبُ حِمَمَ بركان الأحزان، فكيف لِمَن غادرَه الأحبةُ، قبل أن يَقوى على تطويع لسانه ليرقص على حبل الكلمات، أن يَسعَه الانفلات مِن قيد النفس الرافضة لوجودها في ظل غياب الصدر الحنون؟!
الانعتاق مِن جبروت الإحساس باليتم أَعَزُّ ما يُطلَب في رحلة عذاب إدغار ألان بو، وغيابُ دفء العائلة لا بديل لتعويضه مهما اجتهد البيت الحاضن، لأن الدفء يُقاس بتلك الأنفاس التي تُعيدُ البسمةَ إلى فَمِ رئتيك ما أن يتوسم الفَمُ في الأنفاس رائحةَ أَعَزّ الناس.
فَكِّرْ، فَكِّرْ أكثر فأكثر في عمق الشعور بوطأة الحاجة إلى السَّنَد حين يَكسر الزمن ظهرَ إدغار وويُرغِمُه على هجر مقاعد الدراسة الجامعية هو التواق إلى التغذية التي لا تُحققها إلا الكُتُب التي تَختزن وتَختزل عُصارةَ الدروس التي قد يَزهد فيها الطُّلاَّب، لكنْ يقينا لن يَفعَلها إدغار الراغب في بناء صرح مجده الأدبي بعِصامية.
الكتابة هوس حَالِم وجنون لذيذ يَدفعك إلى تسلق جَبَل الأفكار التي لا يُؤمِن بها سِواكَ، ولهذا وجد كاتبنا إدغار ألان بو متعةً ما بعدها متعة في الاختلاء إلى نفسه لِيَخوض مغامرةَ اللحاق بالشخصية الهاربة عن حلبة القصة قبل أن تنال نصيبَها من اللكمات التي يُخَبِّئُها لها القَدَرُ وتَفضحها الكلمات.
أربعون ضربة مطرقة في الرأس، تُعادل الواحدةُ منها سنةً، كانت كافية لِتُعَجِّلَ برحيل بطل مسلسل الرعب عن مسرح الحياة الذي لعب فيه دورا فاشلا عَجَّلَ بسقوطه ميتا.
ولا غرابةَ أن يُفَسَّرَ هذا الفَشلُ بإقبال إدغار على تعاطي ما يَكفي من مُهَدِّئات لا تَخرج عما نُسبَ إليه تناوله مِن كحول ومواد تَقتل حضورَ العقل شيئا فشيئا، لكن هيهات لها أن تَقتل فيه الإحساس بعذابه في رقعة أرضية لا تختلف عن غابة كبيرة يَتَنَمَّرُ فيها الناس.
حقيقةً سرعان ما غازلَتْ أصابع الموت روحَ إدغار ألان بو قبل أن تَقبض عليها قبضاً، لكن ما زال إدغار إلى الآن مذكورا في طليعة الشعراء والنقاد والقصاصين الذين خَلَّدُو الأدبَ الأميركي.
وإذا كنا لا نختلف في أن أميركا تحتل دائما الرتبة رقم 1 في التقدم والازدهار، فإن تاريخَ كُتَّاِبها جُلّه لا يَنْفِي وَقْعَ الظروف العصيبة التي مَرَّغَتْ قاماتهم في وحل الفقر والعوز وقلة الحيلة.
وهذا إدغار واحد مِن هؤلاء الذي غرقوا في طين الإكراهات التي حالَتْ دون أمانيهم لولا حبل الكتابة الذي انتشلَهم نسبياً مِن مستنقَع النسيان قبل أن تُشرق لهم شموس.
غير أن السؤالَ الذي لا شَكَّ في أنه سيَقِفُ عند بابِكَ مُمَنِّياً نفسَه أن تَأْذَنَ له بأن يُمَدِّدَ ساقَيْه: هل دائما ستنتهي قصةُ رباطٍ، فَشِلَ في أن يَكون مُقَدَّساً، بين أبوين جمع بينهما عشق التمثيل، بمشروع كاتِبٍ مُعَذَّبٍ يَدفع ثمنَ المسرحية الهزلية التي كانت تُسَمَّى الحياة الزوجية قبل أن تأخذ منحى تراجيديا؟!

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير