كتاب وأراء

عام من الحصار والانتصار

عام من الحصار الذي فرضه علينا إخوة لنا في النسب واللغة والدين والعادات والتقاليد، حقيقة لم يسبق أن عاشتها البشرية منذ وجودها، ولا ندري كيف سيروون هذا الجفاء لأجيالهم القادمة، بعدما أصبح من الصعب طمس الحقائق وإخفاؤها عن الشعوب، نظرا لتوفر العديد من وسائل تخزين المعلومات واسترجاعها بفضل التكنولوجيا الرقمية، هل سيقولون الحقيقة لأجيالهم القادمة أم سيراوغون؟.
إن لم يقولوها فسيقولها التاريخ، إنهم يحاصروننا لأننا ناجحون وتقدميون ودعاة للسلام وجادون في مواجهة الإرهاب، تفوقنا في الاقتصاد وتصدرنا في الثقافة والرياضة، وحققنا أعلى دخل للفرد بين كل الدول، وأنجزنا ما عجزت عنه الكثير من كبريات الدول حول العالم في هذه المجالات، هذه هي الحقيقة التي لا جدال فيها، وأصبح يقف عليها القاصي والداني.
على العموم قطر لا تزال وستبقى صامدة، وهي الآن أصلب عودا وأنقى جوهرا، وفي وضع أحسن من ذي قبل بفضل الله وبفضل توجيهات قائدها الذي التف حوله الشعب، وبدا للجميع أننا بالفعل لا بالقول فقط على قلب رجل واحد.
قطر أوفت بما وعدت به وتعهدت، وأهم عهد ووعد قطعته على نفسها هو عدم التفريط في سيادتها والتمسك باستقلال سياستها، وعدم الرضوخ لأية ضغوطات أو مطالب أو إملاءات تتناقض مع السيادة والاستقلال، حتى حققت الانتصار على الحصار، ومع هذه الصلابة في الموقف المرتكز على الحق والعدل، لا تزال قطر تنادي بالحلول الدبلوماسية والتعاطي بإيجابية مع وساطة دولة الكويت الشقيقة، حفاظا على ماء وجه العرب والمسلمين أمام المجتمع الدولي الذي شجب ورفض وأدان هذا الحصار بأقوى عبارات الشجب والاستنكار، وإصرارا قويا على بقاء ووجود كيان مجلس التعاون الخليجي الذي كان حتى وقت قريب مضرب الأمثال في الهدف الواحد والعمل المشترك، وإيمانا منها بأن التحديات والمخاطر المحدقة بالمنطقة لن تجابه إلا بتماسك دولها وتوحيد رأيها وموقفها، ثم إعادة تقوية الأواصر التي تمزقت وصلات الرحم التي قطعت بين شعوب دول المجلس التي استيقظت في مثل هذه الأيام قبل عام على قرار دولها مقاطعة وحصار شعب شقيق لهم، ومنع أفراد العائلات المشتركة من التواصل مع بعضهم البعض خروجا على تعاليم الإسلام التي طالما ادعوا أنهم الأوصياء عليها.
الحديث في هذا الموضوع حديث طويل وذو هموم وشجون، أما عن الشأن الداخلي القطري في ظل الحصار، فنقول لهذه الدول التي حاصرتنا لقد اعتاد شعبنا على الوضع وتكيف معه وتأقلم، وأثبت قوة عزيمته وعلو همته، وكلما شددتم في الحصار وازدادت منكم التداعيات والمحن، كلما وهبنا الله تعالى الكثير من الفضائل والمنح، فها نحن قد تجاوزنا أصعب مراحل حصاركم، لم يهتز اقتصادنا بل ازداد صلابة، ولم ولن تبور نجارتنا بل اشتدت نشاطا، بنينا آلاف المصانع، وشيدنا مثلها من المزارع، وتم إنجاز منشآت البنية التحتية في وقت أقل مما كان مخطط لها، وانتشرت المعارض في أرجاء الدولة بمشاركات عالمية، وشعر المواطن بتحسن كبير في حياته، وكاد الشعب القطري أن يقول للدول التي حاصرته شكرا لكم على ما فعلتموه لنا.
ونحن بصدد الحديث عن هذه المنح الربانية من حقنا أن نزهو بقيادتنا ونعبر عن حبنا لرمزنا وعزنا «تميم المجد» حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، الذي وهبه الله القدرة على قيادة سفينة الوطن وسط أجواء ملبدة بالغيوم، وفي مواجهة ريح عاصف وموج عال، حتى رست على شاطئ الأمان.

بقلم : آمنة العبيدلي

آمنة العبيدلي