كتاب وأراء

واعشيرتاه!!

حلت ذكرى نكبتنـا في عام 1948 فشـغـلتـنا عـن الحديث عن أمر آخر له أهميته، ذلـك هـو الاحتفال باليوم العالمي للأسرة في الخامس عشر من مايو من كل عام، وقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار الاحتفال بهذا اليوم عام 1993.
ماذا تعني لنا الأسرة؟ التعريف البسـيط الذي سـاد طويلاً وما زال صالحاً أنها «الـلبنة الأولى في بنـاء المجتمع» فإذا كانت لبنات المجـتمع كلهـا صحيحـة سـليمة كان المجتـمع كذلك، وإذا كان في الجدار لبنة أو لبنات رديئة انهارالجداركله، هذا صحيح، ولكن كيف تكون هذه اللبنة صحيحة؟ وسـؤال آخر: ما هي الأسـرة؟ مم تتكون؟ لقد تطور هـذا المفهـوم كثيراً، فقد كانت الأسـرة كبيرة حتى إنها قد تقـترب من القبـيلة، ثم تـقلصت قليلاً قليلاً حتى صارت مقـتصرة على الزوج والزوجـة وأولادهـما، وفي الغـرب الذي نقلده في مسـاوئه (حتى إذا دخلوا جُحر ضبّ دخلناه وراءهـم) تفكك هذا المفهـوم، وصارت الأسـرة تعني الرجـل والمرأة والصغـار الذين يحتاجون إلى الرعاية، وتكاد هذه الصيغة تسـيطر على مفهوم الأسـرة عـندنا، فالأولاد يستقلون ويبتعدون، وتكاد الروابط تنقطع.
ما مهام الأسرة؟ يؤسفني أننا نلاحظ أحياناً بعض الأسر تكاد تشـبه الأسـرة الحيوانية، أي إن مهام الأب والأم تـقـتصرعلى رعـاية الصغـار جسـدياً، وماذا عن الرعايـة النفسـية والعقـلية والأخلاقية؟ ماذا عن التربية؟ هل نترك أطفالنا للشـارع يربيهم؟ هل نتركهم لمواقع الإنترنت تعلمهم؟ ماذا عن مكارم الأخلاق التي بُعث رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسلم ليتممها؟ من يتولى تلقينها للصغار؟ وعن أي أخلاق نتحدث؟ إننا نتحدث عن الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان: فالصدق، والأمانة، وترك المعصية، ولزوم الطاعة، كل هذا لا علاقة له بالزمان والمكان، أما فيما عدا ذلك فإننا نتبع قول الفيلسوف الإغريقي سقراط: «لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم «وقد يستفاد من ذلك في مراعاة أمور الأخلاق والمروءات التي لا تتعلق بنص شرعي، وإنما مبناهـا على عادات الناس وأعرافهم، وهذا أمر يختلف باختلاف الزمان والمكان، فينبغي أن يراعي المربي فيه تغير الأعراف وتغير العادات، فلا يحمل أولاده على عـادة أو عـرف اختلف زمانـه، ما لم يكن ذلك مصادماً لنص شرعي واضح.
إن الأسرة هي الوعاء الحاضن لقيم الأمة الثابتة الخالدة، فإذا تخلت الأسرة عن هذا فإن هذه القيم قد تندثر، ويصاب الجيل بخواء ما أسهل أن يملأه الآخرون بما لا يفيد الفرد والمجتمع، «واعشـيرتاه» لأن الـلـه سـبحانه وتعالى أمر نبيـه الكريم «وأنذر عـشـيرتك الأقربـين» وقالوا إنما هم أهله وأسرته والأقربون.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين