كتاب وأراء

قطر تقف بكل إمكاناتها لمعالجة آثار إعصار «العنكبوت»!

رسالة قطرية مكتوبة بنقوش «الكُمة» العمانية

رسالة قطرية مكتوبة بنقوش «الكُمة» العمانية

في صورة رائعة من صور التكافل الأخوي، التي يفرضها الواجب القومي، أعرب مجلس الوزراء الموقر في اجتماعه الأسبوعي العادي، برئاسة معالي الشيخ عبـــدالله بن ناصر آل ثاني، عن تضامنه مع سلطنة عمان الشقيقة ونظيرتها الجمهورية اليمنية، بعد تعرض الدولتين الشقيقتين لكارثة الإعصار المداري المدمر، المسمى «مكونو»، ومعناها «العنكبوت» باللغة المالديفية، الذي تسبب في وقوع خسائر بشرية، وأضرار مادية فادحة.
.. وأكد المجلس الموقر أن دولة قطر تقف بكل إمكاناتها مع البلدين الشقيقين، لمعالجة الآثار المترتبة على هذه الكارثة الطبيعية، ذات الانعكاسات الإنسانية، والتأثيرات السلبية على البنية التحتية.
.. وعندما يقع هذا النوع من الكوارث المدارية على أي بلد في العالم، لا تستطيع أي قوة، مهما بلغت عظمتها، أن تفعل شيئاً غير حصر الأضرار الناجمة عنها، والبدء في معالجتها.
.. وهذا ما يلخصه الموقف القطري تجاه البلدين الشقيقين، الذي تتجســـد من خلاله وحـــدة الأصل والمنشأ والمصير، مع أهلنا في سلطنة عُمان واليمن، وتحركه قوة الضمير.
.. ووفقاً لهذا التقدير، جاء موقف قطر المعلن الذي يأتي تنفيذا لتوجيهات وتوجهات حضرة صــاحب الســـمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، ويؤكد في معناه ومبناه، وصداه ومداه إيمان دولتنا بأن عليها واجبـــات أخــوية وأخلاقية وإنســانية تجاه أشـــقائها العُمانيين واليمنيين، عن طريق دفع الضرر الواقع عليهم، من جــراء هــذه الكارثــــة، في إطــار روح الأخــــوة العربيــــة، والمحبــة القومية، ومبادئ التكافل الإسلامي والإنساني.
.. وما من شك في أنه ليست ظروف «كارثة مكونو» وحدها هي التي فرضت نفسها، لكي يبادر مجلس الوزراء في التعبير عن التضامن مع الدولتين الشقيقتين، في خضم هذا الظرف العصيب.
فالقطريون، شعباً وحكومة، كعهدهم دائما يقفون جنباً إلى جنب مع أشقائهم المخلصين، تطبيقاً لمبدأ التكافل والتعاضد في أمور الحياة بحلوها ومرها.
.. وعلى الجانب الآخر، لو توقفنا عند أشقائنا العمانيين تحديداً على سبيل المثال، نلمس أيضاً تكاتفهم معنا، وحبهم الصادق والمخلص لنا، ذلك الحب الذي يفيض من دواخلهم.
.. ولهذا نبادلهم الحب بالحب، المتدفق من صميم قلوبنا، مثل ينابيع الماء التي تتدفق بكل سخاء، سبيلاً سلسبيلاً، دون منّة أو بانتظار جزاء، هناك في محافظة ظفار العُمانية، التي أصابتها الأنواء، أو غيرها من سائر الأرجاء.
هناك حيـث توجد حوالي 360 عين ماء موزعة على شريطها الجبلي، وعلى حواف الجبال الظفارية، المتاخمة لسهولها الساحلية.
هناك في جرزيز وصحنوت ودربات ورزات وأثوم وحمران وغيرها.
هناك حيث ما زالت بقايا كارثة «مكونو» التي أصابت سواحل ظفار، أشعر خلال متابعتي أخبار ذلك الإعصار أنني مواطن عُماني، بإحساسي ومشاعري، المتضامنة معهم، وخفقات قلبي النابضة بالدعاء لهم، دون الحاجة إلى وضع «العمامة العُمانية» على رأسي، التي يسمونها «المصر»، لأنها تصر، صراً على قمة الرأس، لتثبيتها بإصرار وافتخار.
هناك من فوق سفوح تلك الجبـــال الظفـــارية، يستطيع أشــقاؤنا العُمانيون قراءة الرسالة القطرية، المعطرة بعبق «اللبان الحوجري»، التي يجسدها الموقف الأخوي، كما أعلنه مجلــس الوزراء الموقـــر، المعبــر عن تضـــامن قطـــر ، وهي رســـالة مكتوبة بنقوش «الكُمة» العمانية، التي لا يكتمل زي العماني إلا بوضعها على رأسه!
.. ومثلما تتم حياكة «الكُمة» بالإبرة، وتزخرف بالنقوش التراثية الخاصة بها، فإنني أخيط هذه الكلمات، وأزخرفها بأصدق العبارات، تعبيراً عن تضامن القطريين مع أهلنا العمانيين، أصحاب الأصالة في المظهر والجوهر والخنجر، حيث لا تستحضر صورة العماني إلا ويحضر معها خنجره، الذي يلتف رباطه حول الخاصرة والظهر!
.. ولأن الخنجر العماني يشكل رمزاً وطنياً لسلطنتهم، كونه الشعار الذي وضعته سلطنة عُمان على علمها، مجسداً عالمها وعوالمها ومعالمها، فإنني أكتــب كلمات هذا المقال على نصل خنجر!
أكتبها من قطر، تعبيراً عن تضامني الأخوي معهم، وهم يواجهون الإعصار المدمر.
أكتبهـــــا على النصـــل العُمـــاني المصقـــول، الــــذي يحكــي قصة الفخر والبطولة والرجولة والشهامة والشجاعة والكرامة السلطانية، معبراً عن ملامح الشخصية العمانية، ومدى ارتــــباط العمانييــن بتراث أجدادهم، الذين تناقلــوه جيلاً بعد جيل، وبات رمزاً لهويتهم الوطنية.
أكتبها داعياً الخالق عز وجل أن يحفظ سلطنتهم وسلطانهم من كل ضر، ويحميهم جميعاً من كل شر.
أكتبها بأعظم الحروف، على النصل العماني المعقوف، بلونه الفضي اللامع، وشكله الإبداعي القاطع، مرتكزاً على نص الآية القرآنية الكريمة الحادية والخمسين من سورة التوبة، التي تشكل مصدر الطمأنينة والسكينة، حيث يقول فيها عز وجل في كتابه الكريم:
«قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا»
.. ولعل من المفارقات أن يكون عندنا في قطر حصار.
.. وعندهم في عُمان إعصار!
.. ورغم كوننا بعيدين جغرافياً عن دائرة الأضرار، التي أصابت محافظة ظفار ، لكننا قريبون من أشقائنا، أخوياً ووجدانيا، لدرجة شعورنا أننا معهم في صميم الإطار.
.. ولكــــل هذا، ظـــلت ألسنتنا تلهج بالدعاء لهم على مدار الليل والنهار، خاصة بعدما حبست سلطنة عُمان أنفاسها وهي تـــواجـــه تفــــاعلات التيــــار الجــارف، الـــذي دفع باتجـــاه ساحلها الجنوبي موجات من المــد المخيـــف العاصــف، رافعاً منسوب الأمواج إلى عدة أمتار، خلفت وراءها الكثير من الأضرار، في منطقة «الحافة» وغيرها، كما وصف لي المشهد أخي وصديقي نجيب الظفاري، عندما اتصلت للاطمئنان على أحواله وأحوال أسرته الصغيرة، وعائلته العُمانية الكبيرة.
.. ولعل «ميناء صلالة» الذي يمثل نافذتها البحرية، ومنفذها نحو المرافئ الدولية، كان من أكثر المناطق تضرراً، بسبب الأمطار الغزيرة، التي أدت إلى ارتفاع منسوب المياه في الميناء.
.. ووفقاً لمسح استند إلى افصاحات الشركات المدرجة في سوق الأوراق المالية، فقد تنوعت الأضرار، في مختلف القطاعات الحيوية، ما بين توقف عن العمل، أو خسائر في البنية التحتية، المتمثلة في الكهرباء والمياه والصرف الصحي والوقود والطرق والاتصالات، كما تأثرت بالحالة المدارية الكثير من محطات التقوية، المتنقلة لشركة «أوريدو»، التي تعد من أبرز شركاتنا القطرية الرائدة بخدماتها داخل وخارج قطر، إضافة إلى نظيرتها العُمانية «عمانتل».
.. وأمام حصيلة تلك الأضرار، فإن ما يستحق التوقف عنده هو اصرار الشعب العماني على إظهار أصالته، التي ظهرت في قوة تلاحمه أمـــام الإعصـــار، مســــتنداً إلى تجربتــه العريقة في التعامل مع أسوأ التحديات، وقدرته على الوقوف بصلابة صفاً واحداً، في مواجهة صخب ولا أقول غضب الطبيعة، التي كانت تعبر عن عنفوانها!
.. والحمدلله أن الاعــصار «مكونـــو» رغم قوته، ورغم أذرعته التدميرية الطويلة، لم يكن بقوة «غونو» المدمر، الذي اجتاح السواحل الشرقية العمانية في يونيو عام 2007، وبلغت قوته الدرجة الخامسة على سلم الأعاصير، وهي الأعلى والأقوى والأشد تدميراً.
لقد فاجأ «إعصار غونو» العمانيين بشراسته، مستعرضاً قدراته التدميرية الهائلة، عندما اقتحم مضيق هرمز، ضارباً السواحل الشرقية العمانية، ابتداء من جزيرة «مصيرة»، وصولاً إلى العاصمة مسقط، مما سبب أضراراً كبيرة داخلها، في العديد من مرافقها.
.. ورغم أن السلطنة تحضرت جيداً لضيفها المداري الثقيل، وقامت بتوجيه إنذارات مبكرة للسكان، وخصصت مراكز لإيواء النازحين، الذين تم نقلهم إلى أماكن أكثر أماناً، في أكبر عملية إجلاء في تاريخ عُمان، ضمن خطة الطوارئ التي اعتمدتها لجنتها الوطنية للدفاع المدني..
لكن «غونو» المدمر بلغ أوج قوته، بعدما وصلت سرعة رياحه العاصفة 270كم في الساعة، مما ساعده على استعراض قدراته التخريبية الهائلة، وخصوصاً بعدما اتخذ مساراً تخريبياً شموليا.
كان «إعصار غونو» أقوى إعصار مداري يضرب سلطنة عمان منذ أكثر من 60 عاما، وسجلت خسائره البشرية (50) حالة وفاة، بينهم رجال إنقاذ، و30 مفقوداً، اضافة الى مليارات الدولارات خسائر البنية التحتية.
كما تسبب «غونو» ولا أقصد «مكونو» في شل الحركة المرورية بالكامل في مسقط، التي بقي سكانها في منازلهم، بعدما غرقت شوارع العاصمة بالمياه الفائضة، من بينها منطقة «القرم» حيث يقع مبنى وزارة الخارجية العمانية.
عدا غرق مجمعات تجارية بكاملها، بسبب هطول الأمطار الغزيرة، كما أدت الرياح الشديدة الى اقتلاع الأشجار من جذورها، وألحقت أضراراً في الكثير من المباني، اضافة الى انقطاع الكهرباء عن عدد من المناطق المتضررة.
كان إعصار «غونو» حدثاً كارثياً لن ينساه العمانيون، بعدما ضرب سواحلهم الشرقية، مخلفاً دماراً هائلاً في البنية التحتية، مما استدعى السلطان قابوس بن سعيد لتوجيه خطاب إلى شعبه، حمد الله فيه ــ عز وجل ــ على ما قدر ولطف، ووجه من خلاله الشـــكر لكل الجهــود التي بذلها العمانيـــون، وأظهرت حجم التلاحم الشعبي والتآزر الوطني، بين أبناء الوطن الواحد في معالجة آثار الإعصار.
لقـــد شـــــمر العمانيون يومها عن سواعدهم، وانطلقــوا صفاً واحداً لخدمة وطنهم، وكــان أداء ســلطاتهم المحلية على مستوى الحدث الكارثي، الذي اتسم بالتنظيم الوقائي الدقيق، اعتماداً على قدراتهم الذاتية ومقدراتهم الوطنية.
.. ولكل هذه اللحمة، بل «الملحمة العمانية» لم يكن من قبيل الصدفة أن يثبت المواطن العماني وجميع أجهزة السلطنة قدرتهم على مواجهة الأنواء الاستثنائية، والتعامل مع الأجواء المدارية غير العادية، التي واجهوها خلال الأيام الماضية، إثر تعرضهم لإعصار «مكونو».
.. ولعل المثير حقاً أن تكون السلطنة هي صاحبة اقتراح تسمية الأعاصير، في المنطقة المحيطة بها، وكان ذلك عام 2000، بصفتها إحدى الدول الثماني، التي يشملها حزام هذه الظواهر الطبيعية، في تلك المنطقة الممتدة من بحر العرب حتى شمال المحيط الهندي، والتي تضم باكستان والهند وبنغلاديش وماينمار وسريلانكا وتايلاند والمالديف.
علماً بأن تسمية الأعاصير بين هذه المجموعة الدولية، تتم وفقاً لجدول مسميات موضوعة سلفاً ومحددة سابقاً, حيث قدمت كل دولة (8) أسماء للحالات المدارية المرتقبة، وضمت القائمة الأسماء العمانية التالية:
باز, سدر، ورد، مرجان، هدهد، ندى, لبان، مها.
.. والمفارقة الكبرى أن الإعصارين المدمرين، اللذين اجتاحا سواحل سلطنة عمان الشرقية والجنوبية، وهما «غونو» و«مكونو» تم تحديد اسميهما وفقاً لترتيب الجدول المعتمد، الذي منح «المالديف» الدور في التسميتين، ويعني الاسم الأول الحقيبة المصنوعة من سعف النخيل، بينما الثاني هو اسم العنكبوت باللغة المالديفية!
لكن أهلنا في سلطنة عمان أثبتوا بتكاتفهم في مواجهة هذه الكوارث الطبيعية أن «البيت العُماني» ليس «بيتا عنكبوتياً»، بل قلعة عمانية صلبة البنيان، عالية الجدران، مثل قلعة «الجلالي» المطلة في مسقط على بحر عُمان، المبنية عام 1588، أو قلعة «نزوى» الشامخة، ونظيرتها «بهلا» التي تربض على تلة صخرية.
.. وما من شك في أن القيم العمانية الأصيلة، التي غرسها قائد مسيرتهم وباني نهضتهم السلطان قابوس ــ حفظه الله ــ ساهمت في اكتساب العمانيين قوة الإرادة وحسن الإدارة، في مواجهة هذه النوعية من الكوارث الطبيعية.
لكــن ما يثيـــر الحـــزن حقاً أن تكون سلطنة عمان الشقيقة على موعد بين حين وآخر مع تلك الأعاصير، بوصفها إحدى ضحايا ظاهرة الاحتباس الحراري والتقلب المداري.
.. والمؤسف أنها كانت على موعد خلال السنوات الماضية مع عدة ظواهر عاصفة، من نوعية تلك الأنواء، أخطرها ولم يكن آخرها «إعصار فيت»، الذي ضرب سواحلها الشرقية في شهر يونيو 2010، وكانت قوته من الدرجة الرابعة، مخلفاً (47) حالة وفاة، بعد استمراره أسبوعاً في محيط جزيرة «مصيرة» العمانية.
كما واجهت السلطنة في اكتوبر عام 2015 تتابعات إعصار «تشابالا»، وهي كلمة بنغالية تعني لا يهدأ، حيث بدأ كعاصفة إعصارية شديدة القوة في أرخبيل سقطرى، وما أدراك ماذا تعني سقطرى اليمنية في قائمة الأطماع الإماراتية، لكنه خرج منها بعد الإضرار بها، متجهاً إلى سواحل صلالة، ثم غيّر مساره ليضرب السواحل الجنوبية اليمنية.
.. وما من شك في أنه لا يمكن لأحد أن يدرك مخاطر الأعاصير بجميع مسمياتها، ودرجات قوتها، إلا الأشخاص الذين يعايشون أهوالها.
.. وسيبقى العمانيون الأكثر دراية في المنطقة بكيفية مواجهة الإعصار، مثلما يعرف القطريون أكثر من غيرهم كيف يتعاملون مع الحصار، ولهذا نجحوا في تحويله إلى انتصار.
بقلم: أحمد علي

أحمد علي