كتاب وأراء

بيضة الفرح يا «إيليا»

مع كل رحيل وعدٌ بلقاء، وفي كل موسم عودة تُمْطِرُ غيومُ البقاء.. لكن الفقرَ سَوط، يَجلد ويَجلد، الفقر جحيم، وحين تُولَدُ فقيرا سَتُجَرِّب أن تُلْقِيَ بنفسكَ عاريا في أحضان الجحيم، فلا جحيم بعده تَخشاه.
نُحَلِّقُ كما تُحَلِّق العصافير في اتجاه عُشّ طائرٍ غِرِّيد، لكن صَدِّقْ يا صديقي أن طائرنا لا عش له، طائر تركَ العُشّ والقَشّ، وهام باحثا له عن أجنحة أخرى تُعيد إليه رائحة الحرية.
جاء ولا يعرف لِمَ، مضى ولم يعرف إلى أين، لكن جاء، وقبل أن يَمضي ترك لنا قصيدةَ حُبٍّ وسلاما.
شاعرنا الرقيق إيليا أبوماضي الوافد من وراء أشجار الأرز والجبل يَجمع حزنَه في حقيبة حتى لا يَتسلل إلينا صوتُ ألمه هو الهارب من ليل البؤس والحرمان إلى قِبلة لا تُجيد الجحود والنكران مهما دفع من ضريبة الاعتراف بوجوده.
إيليا المعذَّب برحيله يَشرب من بحر الغربة المالح ما لا يفتح له شهية على الحياة، لكنه يَعتصر قلبَه وقلَمَه لِيُتحفنا بما لَذَّ وطاب مِن بيت ليس له باب، إنه بيته الشعري الذي ضبط عقارب إحساسنا على مزاج ما أَلْهَمَتْه حورياتُ عبقر الشعر.
الشاعر المغتَرِب يزف إلينا ما نشاء من مناديل تُعيد البسمة إلى عيوننا الذائبة بوحا وشكوى بلسان الدمع، يقول لنا: ابتسموا للحياة، ولا تغلقوا نافذتها في وجوهكم.
ما أَغْرَبَ أن يَتَفَنَّنَ شاعِر، ألهبَتْهُ عصا الخذلان، في أن يَدْعُوَنا إلى أن نَرسم على شواطئ الشفاه ابتسامةً تُشرِق لها شمسُ الخدَّيْن بين يَدَيْ غَمَّازَتَيْن!
القادمون مِن مُدُن الحزن هم أَكْثَرُ الكائنات البشرية قُدْرَةً على رسم البسمة، وكأنهم يُرَطِّبُون حَلْقَ القلب ذاك الذي غادَرَتْهُ مَوجةُ الحُبّ، فإن لم يُحَبُّوا يَكْفِيهم أن يُشَجِّعُوا الآخَرين على أن يُحِبُّوا.
تحية باسمة يُلْقِيها إيليا صاحب «الجداول» و«الخمائل» في وجه مَن خانَتْهُ بسمةُ الحظ والقَدَر، تحية ناعمة تَجْرِي كجَدول الماء العَذْب وتضمخ الأجواء كعطر ورد تعبق به خميلة:
«قال: السماء ُكئيبة! وتَجَهَّما
قلتُ: ابتسِمْ يكفي التجهم في السما!
قال: الصبا ولى! فقلتُ له: ابتسِمْ
لن يُرجِع الأسفُ الصبا المتصرما» [إيليا أبوماضي].
إيليا الشاعر المجروح الذي جَرَّبَ صفعةَ الحياة نراه قد حَاكَ مِن أوجاعه قميصَ حكمةٍ يَليق بكل مقاسات من ذَبَحَتْهُم الحياةُ وجَرَّعَتْهُم مِن كأسها الْمُرَّة جرعات، لكنَّ حكمتَه تَسمو بك إلى مدارج تَنَبُّؤات القِدِّيسين المرابِطين تحت شجرة التأمل، يُفَصِّلُون المعاني ويَخيطون الكلام الذي لا يَتَذَوَّقُه إلا لبيب.
لونُ الحزن القاتم الذي يَحجب صفاءَ سماءِ الحياة ما جدوى أن يَنْعَكِسَ على مُحَيَّا الواحد مِنَّا! ما جدوى أن يُعَطِّلَ عَيْنَنا الفنية ويُعْمينا عن أن نَرْنُوَ إلى الجمال بعيون جميلة!
مع كل لحظة تَمضي، تَمضي دمعة حزينة وصرخة دفينة، لكن هذا لا يَمنع من أن نَنبش في حفرة الحزن التي كلما تَقَدَّمَ الزمن اتَّسَعَتْ، نَنبش لِنَبحثَ عن بيضة الفرح، بيضة الفرح التي لم تَفقس بعد في انتظار أن تَمتدَّ إليها يَدُكَ الواعدة بحضن.
لِمَ نَشغل قلوبَنا بعبادة الحزن ونُكَفِّن أجسامَنا بعباءة الحزن وثمة قوس قُزَح يُمَنِّي نفسَه بأن نَرتديَه يوما لِنُطِلَّ على الحياة مِن شُرفات ألوانه تلك التي تُعطي فنجانَ الحياة نكهةً ومذاقاً لن يَخوناك إن كُنْتَ ذَوَّاقاً!
«ابتسِمْ».. يَقولها إيليا أبوماضي، ويُعيدها:
«قلت: ابتسم، يكفيك أنك لم تزل
حيا، ولست من الأحبة معدما!
قال: الليالي جرعتني علقما
قلت: ابتسم ولئن جرعت العلقما
فلعل غيرك إن رآك مرنما
طرح الكآبة جانبا وترنما
أتُراك تغنم بالتبرم درهما
أم أنتَ تخسر بالبشاشة مغنما؟» [إيليا أبو ماضي].
موعد مع قُبلةِ ابتسامةٍ أَعَزُّ الْمُنى بالنسبة لشَفَتَيْن غابَتْ عنهما شمسُ كلمةِ طيِّبة تُرسَم، تُرسَم لِتَغْدُوَ سفينةً تَحمل بلحَ الحُبّ إلى كهفِ فَمٍ ما عاد يَلثمه ضوءٌ.
ابتسامتُك الضوءُ، فاحْرِصْ على أن يُنيرَ صحراءَ محياكَ، وكَفاكَ، كَفاكَ التَّجَهُّم ذاكَ الذي يَمْتَصُّ ضوءَ عينيكَ وعينَك الثالثة تلك التي يُضيء فيها الإحساسُ فترى به ما لا يَراه الناسُ.
مُدَّ ضَوْءَ شِفاهكَ إلى الحياة على جِسر الحُبّ، ولا تَحْزَنْ على ما أشقاكَ فيها، فبَعْدَ حربِ الليلِ هدنةُ أملٍ مُشِعّ، وبعد رحلة العذاب موعدٌ تحت نخلة الراحة، وبعد السفر في الشجن باحةُ فَرَح، وبعد هبوب الدمع حُبٌّ من النظرة الأولى أو ما تَلاها، وبعد هجرة عصافير غابةِ الحُبّ موسمُ تَزَاوُجِ العين والقلب..
دَعْ أجنحةَ قلبِكَ تُرَفْرِف، وتَفاءَلْ، تَفَاءَلْ إلى أقصى المستويات، تَقَوَّ على الألم بأنْ تتأبَّطَ ذراعَ الأمَل، وكُنْ كما كان إيليا الشاعر الذي آمنَ بالأمل وأعاد رَسْمَ خريطة الإنسانية.
شاعر ذاك مُتَيَّم بالحياة مهما أَتْعَبَتْه الحياة، كلما خانَهُ قطارُ الأيام في محطةٍ ازدادَ إيمانُه بلحظات الانعتاق في المحطة التالية..
ولأنه ابن البيئة الفقيرة التي خَبَرَ فيها الحرمان فقد أَحَسَّ بمعاناة الإنسان ومكابداته، لذلك كانت كتاباتُه الشعرية الأولى تَدور في فلك التعبير عن غربة الإنسان وإحساسه بالضياع والتمزُّق في ظِلّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تُمَرِّغُ في ترابها الإنسانية.
غير أن قيودَ السلطة الرافضة للتنفيس كتابةً عن أوجاع المعَذَّبين في المجتمع جَعَلَتْهُ يُغادِر البيئة العربية إلى المهجر ليَتَنَفَّسَ أنفاسَ الحرية، هنالك في الولايات الأميركية أَسَّسَ مع زملائه رابطةَ الْمَهْجَر، فكان أنْ غَرَّدُوا وصَدحوا وباحُوا.
هكذا تَستحي الرجولة، فتتوارى هاربةً تاركةً المجالَ لصاحب البطولة، إنه البؤس الذي يَرقص نشوان رقصةَ الموت البطيء.
موتٌ آخَر لا يُوَجَّل كان في انتظار إيليا بعد زمن من التغريد بعيدا عن السِّرب: قسوة، رحيل، حُبّ، انتظار، وعد، شوق، ترقُّب، رغبة، انكسار، أمل، انتصار، لقاء، ثم وداع أخير أَجْبَرَ قلبَه المتأزِّم على أن يُغْلِقَ نافذتَه في وجه الحياة.

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير