كتاب وأراء

في وداع الوطن .. قلوبا وأوراقا

لكل بداية نهاية، ولكل لقاء فراق، ولكل تلاق رحيل، ولكل جملة نقطة وقف.
أودع نفسي عندكم ولا أودعكم، أودع مشاعري، ذكرياتي، حقبة جميلة من عمر بن سيف مقدارها ست سنوات ليست بالعجاف.
جاء اليوم الذي أقول لكم فيه وداعا.. وداعا لكل ما منكم وفيكم وإليكم، قلوبا وأوراقا ومبنى وقراء.
سئل الحسن ابن علي رضى الله عنه وعن أبيه: لم أنت مقل في كسب الأصدقاء في حياتك؟
قال: خوفا من التعلق بهم ثم فراقهم.
ليس أقسى على قلب الانسان من كلمة «وداع»، لذلك فإن العاطفيين من الناس يرحلون فجأة، فالوداع لن تغير طعمه كلمة أو قبلة أو دمعة أو إشارة من بعيد..
هو ليس أكثر من سكين تستله من مشاعرك لتفطر به قلبك...
ست سنوات في صحيفة الوطن، مرت كأنها البارحة، أذكر حين كلمني أبو حمد رئيس التحرير، أشعر أن ذلك الاتفاق لم تجف حتى سيولة حبه/ حبره..
وها أنا اليوم أكتب لكم المقال رقم ألف ومائة وتسعة وثمانين.. الأخير.
لكن ماذا يمكن أن أكتب في المقال الأخير؟
هو تماما مثل أن يطلب من شخص على مشارف الموت أن يتمنى أمنية، فلا تكون أمنيته إلا بتفاهة شربة ماء أو مزة سيجارة، بل إنه أحيانا يرفض حتى مجرد التمني، لأنه يشعر أن الأوان قد فات.
حين يعصر قلبك موقف ما، تجد أن الكلام يجف في فمك، واللغة تبلع لسانها وتفقد القدرة على النطق، وتجد أن الكلمات كلها تصرخ فيك... أتركني فلست أهلا للتعبير.
الذين عرفتهم في الوطن وتواصلت معهم..
عادل علي بن علي، رجل تمرد على تناقضية الغنى والأخلاق، فكان الغني الخلوق ونادرا من الناس من يحققها..
أحمد علي، رأيته في الكويت، وكنت أنوي لقاءه ودعوته، لكنّ ظرفا طارئا من الله حال عن اللقاء في ذلك اليوم..
محمد المري، أكثر شخص اقترب مني، واقتربت منه، ما يزال منذ ست سنوات يعدني بزيارة، وكتبت المقال الأخير ولم يأت أو تأت.
حسان يونس، لم أره ولم يرني، لكني عرفته وعرفني من خلال ملكوت الصداقة العمياء..
نزار عابدين شاعر وأديب وأخو هم وأمل..
هؤلاء الذين تواصلت معهم بشكل مباشر... أضف إليهم فقط خالد جودة الذي رسالته دائما تذكرك بالبنك، لطالما أزعجته وأسعدني.
عبدالرحمن القحطاني... لم يكتب الله لنا من سبيل لمعرفة، رأيته لمدة عشر دقائق لكنها كافية لتنزله عندي منازل الأصدقاء..
القراء...
قراء صحيفة الوطن، وها هنا، تعجز الكلمات وتتلعثم ويبلع بعضها بعضا أمامهم..
قد يكتب الله لنا لقاء آخر، قد أبدأ من جديد في يوم ما...
لكن الآن حانت ساعة الفراق.

بن سيف