كتاب وأراء

الدول المتآمرة فشلت في فرض مطالبها المعلنة .. وتحقيق أهدافها الملعونة

حصار قطر بين «النكسة» .. و«الانتكاسة»

حصار قطر بين «النكسة»  .. و«الانتكاسة»

تشرق الشمس على بلدي قطر كل يوم ..
لكن إشراقتها اليوم على الساحة القطرية تختلف عن الأيام الأخرى، في وجهها اللامع ولا أقول الدامع، ووهجها الساطع، الممتد في الأفق الشاسع، والفضاء الواسع، حيث تصادف اليوم الذكرى الأولى لانتصار قطر على الحصار الجـــــــائر، الـــذي خطــــط له غدـــراً، ودبر في ليل دامس، عشية الخامـــــــــس مــــن الشهر الـــسادس عام 2017, .. ووســـط أمــــواج الحــــصـــــار المتلاطــــمة، وتياراته الظالمة، شقت سفينة قطر طريقـــها إلى مرافــــئ المجــد، بفضل حنكة قائدنا «النوخذة تميم المجد»، والتفاف القطريين جميعاً صفاً واحداً خلف قائدهم، إضافة الى جهود وليس جمود أو جحود كل المقيمين على أرض قطر.
.. وما من شــــــــك في أن أيام الحـــــصار، التي مــــــرت خلال عام، بكل أحداثها، وكافة تطوراتها، وجميع تقلباتها اتســـــمت باحتوائها عالما متناقضا من الشخصيات المركبة، تحول فيها ما كنا نعتبرهم ملائكة إلى شـــــــــياطين، ولا أقصد شـــعب المملــــكة، الـــذيــــــن تقودهم قيادتهم إلى المهلكة!
.. والمؤسف أن الأخيار تحولوا إلى أشرار، والأشقاء إلى أعداء، والشركاء في «مجلس التعاون» إلى مشاركيـــن فــــي المؤامـــــــــرة، بل هـــــــــم المدبـــــرون لــــــــها، الأكثــــر تورطاً فيــــها، بمــــشاركة «نظــــــام السيسي»، وكيل الرز البسمتي في عموم الشرق الأوسط!
لقد بدأت خيــــــوط المؤامـــرة تحاك في «ظــــلام خرمس»، تآمر خلاله «الأشقاء الحُسّاد» على شقــــيقهم القـــــطري «الأصـــــغر»، واتفقوا في ما بينـــــهم على أن يدفعوه خارج معادلات الخريطة السياسية في المنطقة، ليطفئوا نار الحقد المشتعلة فـــــي صدورهم ضده، لكنه بقوة عزيمته نجح في التصدي لهم، وكشف مؤامرتهم, .. وتكــــــشف أحــــــداث المؤامــــــرة الرباعــــية الأطـــــراف، عــــن حقائق صادمة، ووقائع مؤلمـــــة، أثبت خلالها المتآمرون مطامع، ولا أقول طبائع النفوس البشرية المريضة، واستعدادها لممارســـة كل أنواع الشر، باســــتخدام أســــاليب الغــــــدر، لقلب نظام الحكم في قطر.
.. ولعل من مفارقات الغدر ــ ولا أقول القدر ــ أن تتزامن هذه «الانتكاسة» الخليجية في العلاقات الأخوية، بين الشركاء في دول «مجلس التعاون»، مع «النكسة» العربية!
.. وهي الاســـــــم المشــــــــفر لهزيـــــــمـــــة العـــــــرب الــــــساحقة الماحـــــقــــــة عــــــــــام 1967، عــــــلى يـــــــد إســــرائيــــــــل، التـــــي أدت إلــــــــــى احـــــــتلال الدولة العبرية، كامل أراضي الضفة الغربية، ومرتفعات الجــــــــولان الـــــسورية، وشـــــبه جزيرة سيناء المصرية!
.. وحـــــــتى يومـــــنا هـــــــــذا، لـــــــم تنتـــــه تبـــــعات تــــــلـــك الهـــــــزيـــمــــــــــــة الثقـــــيلـــــــــــة، حـــــيـــــــث لا تــــــــزال إسرائيل تحتل الأراضي العربية التي اغتصبتها قبل أكثر من 50 عاما، بل قامت بضــم القـــدس إليها، واعتـــبرتهــــا عاصمتها الأبدية، بمباركة أميركية، تمثلت في قيام الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى المدينة المغتصبة!
.. ومثلمـــــا شـــعـــــر الـــــشارع الـــــعـــــربــــــي بالــــــــصدمــــة والخــــيبة والمــــــرارة، نتيـــــجة هزيمــــة أنظــــــمته الوطنيـــــــة وجـــــيوشــــــــــها «العـــرمرميـــــــة» أمــــام الدولـــــة العـــبريــــــة، فـــــقد أفــــاق الشــــــارع الخليجي في الخامـــس من يونيــــو على صــــــدمة حصــار قــــــطر، وتـــــصدع «مجـــــلــس التــــعـــــــاون»، وتآمر الأشقاء على شقيقهم الأصغر.
.. وها نحن اليـوم في ذكرى النكـسة العـربيـة المتـــــزامنـة مع الانتكــاسة الخليجية، نـــجد «بني عــــارب»، وفـــي مقدمتــــهم وزيـــر خـــــارجية البـــــحريــــــن، لا يتــــورعـــون عن إعلان تحالفهم مع إسرائيل!
.. وها هم «النتنياهيون العرب» نسبة إلى «نتانياهو» يمــــهـــــــدون الطريــــق إلـــــى «صفـــــقـــة القـــــرن» لابتلاع ما تبقى من الحقوق العربية!
.. وبعيداً عن «صفعة القرن» بل هي سقطة القرن، المتمثلة في السقوط العربي المتدحرج منذ أكثر من نصف قرن!
.. وبعيداً عن هزيمة (67) النكراء، التي ستظل باقية كنقـــطة سوداء في سجل الأنظمة العربية، أتوقف اليوم عند «العزيمة القطرية»، التي وضحت قوتها، وظهرت صلابتها منذ اليوم الأول للحصار.
.. ولهــــــــذا فـــــــــإن الخـــــــامـــس مـــــــن يونيـــو سيظــل في ذاكـــرتنــــا يمــــــثل يــــوم الانتصـــار وليــــــس الانكــــسار، أمــــــــام من حـــــــاصروا دولتـــنا، بعـــــدما نجـــحـــت قطر في قلب الطاولة على رؤوســـــــهم، إثر نجــــاحها في محاصرتهم، مــــن خلال ثباتها على موقفها الثابت، وإظهار صلابة عزيمتها، وسلامة نهجها، وصحة منهجها.
لقد فرضت دول الحصار بقيادة السعودية وتوابعها، حصارها الجائر على قطر، معتقـــــدة أن هــــذا القـــرار سيدفع الـــــدوحة إلى التـــــنازل عن ثــــوابــــــتها، والتخلي عن مبادئها، والتراجع عن مواقفها، والتوجه مطأطأة رأسها نحو الرياض، طلباً للعفو، ليكون مصيرها الإقـــــــامـــــة الجــــــبرية في فندق «الريتز»، منزوعة السيادة!
لكن قطر ظلت كما كانت دائما، حصانا أصيلا جامـــحا عـــلى الدوام، يسابق الريح بلا لجـــــــام، لا يشـــــق لــه غــــــبار، ولا يفـــــرض عليـــــه خيار، ولا يحــــدد له مســـــــار، ولا يـــــــمـــكن لأحـــــــــد أن يســـــيطر علــــــــى قــراره، أو يغــــــير مســـاره، أو يدفعه دفعاً للتوجه إلى اليمين أو اليسار.
.. واليوم وبعد مرور ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً من عمر الحصار، أثبتت الأحداث أن الدول التي تحاصر قطر فشلت فشلاً ذريعاً في فرض شــــروطها المعـــلنة، وتحقيق أهدافها الملعونة، لدرجة أن حصارها الذي يعد أكبر أزمة مفتعلة داخــــــــــــل جـــــــدران «مــجــــلــــــس التــــعــــــــاون»، بـــــات مــــــسألة صغـــيرة جـــــداً جـــداً جــداً بالنــسبة للقطريين شعبا وحكومة.
.. وهـــــــا هـــــــــي دولــــــتـــــنا تمـــضــــــي قــــدمــــاً فــــي الدفـــــاع عـــــــن نفــــسهــــــا، وتحصـــــيـــــــــن دفــــــاعـــــــاتــــــها مـــــــــن أي اعتـــــــداء، ولأنــــــــــها أدركــــــــــــت أن الخـــــــطـــــر الرئيــــــسي لأمنها قـــــــد يأتـــــــي من الســــــمـــاء، فهـــي لـــــم تـــــشــــتــــــر ســـمـــكـــــاً يعـــــوم فــــــي المـــــــــــاء، لكــــــنهـــا فــــــي إطــــــــار حرصــــــها علـــــــى حــــــــــمايـــة الأجــــــواء، حــــــــرصـــــــت عـــــــــلى إنـــــجاز صفقة منظومة الدفاع الصاروخي (اس 400) الروسية التي تعد أقوى، بل الأقوى في منظومات الدفاع الجوي على مستوى العالم.
.. ويعمـــــــل هذا النظــــام الدفــــــاعي الفريد مــــن نـــــوعه في الخـــــدمة مـــع القـــــــوات الروسيـــة منـــذ عــــشرة أعــــوام تقـــــــريـــــباً، ويـــــــوصــــف بــــــأنــــــه ليس لإمكانياته الدفاعية مثيل في العالم حالياً, بالرغم من محاولات نسخ منظومته، أو تقليدها!
.. ويمــــــثـــــل شــــــراء هــــــــــذه المنظــــــومة الـــــدفــــــاعيـــة الروسـيـــــــة المتطـــــورة حـــقاً سيادياً قطرياً خالصاً لحماية أمننا الوطني، مثل أي دولة تحرص على امتلاك وسائل وأدوات الردع القوي لأي «معتد».
.. والغـــــــــــريـــــــــــب بـــــــــل الأغــــــــــــرب أن الســــــــعــــوديـــــــــة الــــــتـــــي تـــــحـــاصر قطـــــر تسعــــى للحــــصول عــــلى هــــذا النــــظــــــام الــــدفـــــاعــــــي، لكـــنها تهدد وتتوعد باستهداف قطر عسكرياً إذا حصلت على هذه المنظـــومة الدفاعية، فــــــي موقـــف يعكـــــــس العــــدوانيـــة الســــياســـــــية، التــــي صـــــارت جـــــزءا لا يتجزأ من سياسات السعودية في المنطقة حالياً.
.. ولعـــل ما يثـــير قــــلق النظـــــــام السعـــــودي غـــير المـــبرر تجـــــاه قطـــــر أن هذه المنظومة المتطورة توفر إمكانيات الرد الفوري على التهديدات الخارجية، ومواجهة الأخطــــار الجويـــة، خاصة أنها تستطيع رصـــد الأهـــــداف المتحــــركة، التي تستهدف مجالها الدفاعي بسرعة فائقة وكفاءة مطلقة.
.. ويستجيب هذا النظام المتــــطور للهــــدف المعــــــادي في أقل من 10 ثوان، ويبادر باسقاطه عن طريق صواريخه اليقظة التي تبلغ سرعتها «4.8» كيلومتر في الثانية، وهي أسرع 15 مرة من سرعة الصوت.
.. وبأعلى الصوت أستطيع القول إن الحصار صار يمثل الــــورطة الأكبر، بل الكــــبرى، بالنسبــة للمــــحاصريـــــن، من صغـــــيرهم حـــــتى كبيرهم، الـــــــذي علمهم السحر، فانقلب السحر على ساحرهم!
لقد وضعت دول الحـــــصار حزمــــة من الشـــــــروط العجيـــبة، المخـــــلوطة مــــع بعضــــــها البعــــــض مثــــــل مكونــات «الـــكرنكعـــــوه»، والتــــي كـــــان ينبغي على الدوحة الالتزام بتنفيذها، لضمان عودتها الى محيطها الخليجي على حد قولهم!
.. وما من شك في أن تلك المطالب المثيـــــرة للدهشـــة، أثــارت الكثــــير من السخرية والاستهجان علــــــــى كل لســــان، في مختلف الأوساط الدولية، لأنــــها تحــــــــمــــل شـــروطاً مـــرفـــــــــوضــــة سلـــفاً لأي «دكـــان» فـــــي أي مكان، وليس دولة مستقلة ذات سيادة وكيان.
.. ولم تقتصر مؤامرة دول الحصار على طرح طلباتها المرفوضة، بل سعت للإضرار بالاقتصاد القطري، وخلق أزمة عدم ثقة في عملتنا الوطنية، لإضعاف قيمة «الريال» عالمياً، لكن حكومــــتنا الرشيــــدة تدخلت في الوقت المنــــاسب، وضخت ما يكفي ويفي، لتحقيق معادلة التوازن المالي.
.. ولأن حصــــــارهــــــم بـــنـــــي علــــــــى رهـــانــــات خـــــــاســــرة، وارتكــــــز على حــــسابــــات خاطــــئة, فقـــــــد ظــــهــــرت نتائـــــجه العكسية ســـريعاً على الدول المتآمـــرة، حـــــيث انعكســــــت تداعـــياته على اقتـــصاداتهـــــم، عــــــبر معـــادلــــة تســــاقط قطــــع «الدوميـــــنو»، بــــعد نجاح قطر في تحقيق الاكتفاء الذاتي، دون الحاجة إلى الاعتماد على منتجاتهم.
عدا نجـــــــاح الاقتصـاد القطـــري القـــــوي فــــــــي خــــلق مســـــــارات بديـــــلــــــة لمواجـــــهة التحــــــديـــــــات التي فــــــــرضـــــها الحـــــــصار، لــــــدرجــــــة أن شـــــركاتهم خسرت كامل حصتها السوقية من الأسواق القطرية، بعد استبدال المنتجات السعودية والبضائع الإماراتية بمنتجات وطنية تفوقها جودة.
.. وإذا كانت الأزمة قد فتحت أعيننا على مخاطر الوثوق «بالأشقاء» الذين تحركـــهم الغيرة، فإن أبرز الشواهد الشاهدة على فشل حصارهم، إعلان قطر في ذروة حصارها، أن مـــــوازنة الــــعام الــــــجاري تتسم بارتفاع في الإيرادات وانخفاض في العجز، حيث يقدر إنفاقها الإجمالي (2032) مليار ريال، تساوي نحو (558) مليار دولار، بزيادة 24 % عن موازنة العام الماضي، وهي أكبر موازنة في تاريخ البلاد.
.. ورغم الحصار، فقد التزمت قطر بإصرار بتزويد أبوظبي بحصتها المشتراة من الغاز الطبيعي القطري، عبـــــــر الأنابيــــب الممتــــدة تحــــت ســـطح البحر، الــــــتي يبــــلغ طولــــــها 364 كيـــلومترا، تنفيذاً لالتزامات الدوحة، وتعهداتها الوفاء بعقود تصدير الغاز، وعدم خلطها بالخلافات السياسية.
يحدث هذا النوع الـــفريــــد من نكـــــران الـــــذات، رغــــم تـــــورط الإمــــــارات بالــــــذات، وتوابـــــعها في مخطـــــــط الدول المتآمرة لقلب نظـــــام الحكــــم، الـــذي ارتضــــاه القطريون لدولتـــــهم، في إطار الشراكة بين القيادة والشعب، تحت مظلة قائــــد مسيرتنا الوطنية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
عدا قيام دول الحصار بصناعة حفنة مــــــن الخونــــة، والنـــفخ فيهم، والترويــــج لهم، باستخدام مساحيق الماكياج، لتزيين صورتهم، واستقبالهم استقبال «الفاتحين»، بينما عددهم لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة، يتم تحريكهم في أبوظبي والرياض، مثل «الدمى» في مسرح العرائس، على طريقة «طار في الهوا شاشي، وانت ما تدراشي»، يتقدمهم طامع يبحث عن «سلطان» أو سلطة أو صولجان، رغم أنهم يُقادون مثل الخرفان، في بلد ضاحي خلفان!
.. وفي خضم هذا «المهرجان»، مارست دول الحصار خداعاً على شعوبها، باختلاق أخبار كاذبة عن قطر، وترويج روايات غير صحيحة ضدها، لتهييج الرأي العام، في محاولة لتمرير حصارها غير المبرر، من خلال أكبر عملية تضليل تمت ممارستها على شعوب المنطقة، عبر اتهام قطر بدعم «الإرهاب»، رغم أن الظاهرة الإرهابــــية نبعت من منــــابعهم، وباتت بسبــــب تطـــــرف مواطنيــــهم مشــــكلة كونـــية، تهدد الأمن وتهزّ الاستقرار في العالم.
.. ولأن قطر تشرفت بنيل حق استضافة بطولة كأس العالم، دون غيرها من دول المنطقة، فقد مارست دول الحــــــــصار، ولا تزال، حمـــــلات واســـعة من أجـــل التــــشويش علـى مـــلف مونـــــديال قـــــطر 2022، والتشكيك في استحقاقها استضافة الحدث العالمي، والتهديد بسحب «الاستضافة المونديالية» وكأنهم يملكون اتخاذ هذا القرار.
لقد تقمص كل واحد من المتآمرين على الملف القطري شخصية «جياني انفانيتو» رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، وصـــــــار يـــدلي بتــصريــــحات تحريضية ضـــد مونديـــال قطر، رغم أن أحداً منهم لم يمارس كرة القدم في حياته، ولا يعرف الفارق بين «ركلة الجزاء» أو الركلات الترجيحية، ورغم أن القاعدة الأولى في «الفيفا» عدم خلط الرياضة مع السياسة.
.. وفـــــي إطـــار تدخـــــلاتهم الـــــسافرة فـــي الشــــؤون القطرية، أظهـــــر وزيــــــرهم المتـــدخل في شـــؤون غيره أنور قرقاش عداء لا حدود له ضد قطر!
.. ولو أحصينا عدد تغريداته التي ورد فيها اسم قطر منذ الخامس من يونيو الماضي حتى يومنا هذا، سنجد أنه يمكن إضافتها إلى سجل الأرقام القياسية، التي تستهوي الدولة الاتحادية، من حيث بناء أطول برج، أو تفصيل أوسع «كندورة»، أو تصنيع أكبر «مدواخ»!
.. ومـــــن المعيــــب حقاً أن «قرقــــــاش» الــــذي يفــــترض، مــــــــن خــــلال منصـــــبه، أن يســعـــى لتطــــوير علاقات بلاده وتوطيدها، نجده يتجاوز في صلاحياته، قواعد العمل الدبلوماسي، ويحاول أن يلعب دور «المـرشــــد» الذي يريد إرشــــادنا إلى ماذا نفـــــعل في دولتـــنا، ويحدد لنا مــــــاذا ينــــبغي أن نعمـــل داخل أسوار بيتنا القطري!
.. وفي إطار ذلك «الإرشاد» الشاذ عن البروتوكولات الدبلوماسية، يريد «قرقاش» أن يحدد لنا أنواع الزهور التي نزرعها في حديقتنا، وأنواع العطور التي نرشها على ملابسنا، وأنواع البخور التي نستخدمها في مجالسنا!
.. ووصــــــل منســــــوب الغـــــرور الــــــطــافــــــــح في داخـــــله إلــــــى درجـــــة أنـــــه يـــــريـــــد أن يفرض علينا نوعاً من العـــــلاقة الإرشادية، أو شـــــكلاً من أشــــــكـــــال الوصـــــاية أو التبـــــعية، بحــــيث تتبع الدوحة أبوظبي في جميع خطواتها وقراراتها وتوجهاتها وتوجيهاتها الفوقية!
ناسياً أن دولتنا قطر تأسست قبل دولته الاتحادية، وأن معظم الوزراء الذين شكلوا نواة الفريق الحكومي لمؤسس الإمارات، كانوا من مخرجات منظومة التعليم القطري، بعدما احتضنتهم قطر، وعلمتهم، ودرستهم وابتعثتهم على نفقتها إلى الخارج، ليكملوا دراساتهم الجامعية، وأذكر منهم على سبيل المثال أحمد بن خليفة السويدي أول وزير خارجية للإمارات، ومانع بن سعيد العتيبة أول وزرائها في مجال النفط والطاقة، وغيرهما كثيرون.
.. ولعل آخر تدخلات «قرقاش» في الشؤون القطرية، ما كـــــتبه في تغريــــداته الأخيرة ، زاعماً أن «الملخص الإعلامي لمرور سنة على أزمة قطر أن تويتر السعودي هزم الجزيرة»!
.. وعندما يقول ذلك، فهو يقصد بطبيعة الحال «الذباب الإلكتروني»، الذي يقوده سعود القحطاني، من خلال الاستخدام الإجرامي للتقنيات الحديـــثة، عبر الحــــسابات الوهمــــية، التي تــــديـــــرها اللجان الالكترونية، بلا ضوابط أخلاقية، لتشكيل رأي عام مضلل أو مطبل!
.. وما من شك في أن ممارسات هذه اللجان تعد الأكثر خطورة من التنظيمات الإرهابية، حيث تسعى لنشر الكراهية، وإشعال الصراعات، وخلق الأزمات، عبر ترويج «الهاشتــــاغات» المزيفة، في منصات التواصل الاجتماعي، من خلال الحسابات ذات الأسماء المستعارة والتغريدات المسعورة!
.. ولعل من أحقر ــ ولا أقول أخطر فحسب ــ جرائم اللجـــــان الالكترونية الشريرة، التي تديرها الرياض وأبوظبي قيامها بعملية القرصنة، التي استهدفت موقع وكالة الأنباء القطرية، حيث تم التلاعب ببياناتها ومعطياتها، وتلفيق الأخبار المتداولة فيها!
.. وما من شك في أن هذه العملية الإجرامية فاقت في تخطيطها العدواني ما تقوم به «عصابات المافيا»، حيث تم خلالها تسريب التصريحات الكاذبة المسمومة المنسوبة إلى «صاحب السمو»، لاستخدامها كذريعة لفرض الحصار الجائر عـــلى قطــــر، بعدما تم التعـــــامل معــها كحـــــقيقة ثابتة، رغـــــــم صدور النفي الرسمي الفوري لها.
لقد أطاحت هذه العملية الإجرامية بالكثير من القيم النبيلة التي كنا وما زلنا نؤمن بها، ويلخصها النشيد الذي كنا نردده في صدورنا وعلى ألسنتنا بقولنا:
«أنا الخليجي وأفتخر إني خليجي»، خاصة أن خلية الاختراق نفذت عمليـــتها الالكــترونية القــذرة ضد قطر من مقر وزارة سيادية في السعـــــودية بالتنسيق مع الإمارات، وفقاً للنتائج التي توصلت إليها الحلقة الاستقصائية من برنامج «ما خفي أعظم» في «الجزيرة»، التي سيبقى نجاحها يثير الغيرة في نفـــــــــوس منتقـــــديهـــــا، ولا أقـــــول الحـــــيـــرة، وأولــــهم «قــــرقـــــــاش» الذي لـــــــم يــــراع فـــي تغريداته الالكترونية حقوق الجيرة!
.. وبعيداً عن طنين الذباب الالكتروني، الذي يحــــوم حول قطـــعة الحـــلوى القطــرية، من الواضح أن «قناة الجزيرة» الرائدة، تثير حفيظة دول المؤامرة، لأنها تكشف ظلماتهم، وتسلط الضوء على ضلالاتهم، وتفضح تضليلهم.
..ويكفي، لكي أدحض الكلام المضلل الذي يروجه المسؤول الإماراتي عن «الجزيرة»، التأكيد أنها كانت وما زالت متألقة، وستظل متفوقة، على جميع من حاولوا استنساخ تجربتها الناجحة في الإعلام العربي، لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وفي مقدمتهم «سكــــاي نــــيوز» المدعـــومــــة من أبــــوظبــــي ، وغيـــــرها من قنوات التضليل الإعلامي.
أما الأمر الذي ينبغي توضيحه للوزير الإماراتي المتدخل في شؤون غيره، فهو يتعلق بالأزمة اليمنية، خاصة أن الملخــــص الميـــــداني لها بعد مـــــرور أكثــــر من 3 ســـــنوات على حربهـــا العبثية، أن إرادة المواطن اليمني هزمت ترسانة الأسلحة المستخدمة في الحرب، بمشاركة عشرات القوات من مختلف الجنسيات والجهات، تحت مظلة ما يسمى «التحالف العربي».
.. وما من شك في أن السر وراء ذلك الصمود اليمني يكمن في المقولة التي أراد قرقاش ترويجها ضد «الجزيرة»، وهي أن «موقفك أقوى وأوضح حين تدافع عن وطنك».
أما وزير الدسائس البحرينية، فقد أظهر خلال الأزمة الأحقاد المدفونة، والضــــغائن المكبــــــوتة، في داخله ضد قطر، على مدى أكثر من نصف قرن من العلاقات الرسمية الفاترة بين المنامة والدوحة، لدرجة أنها أثقلت ميزانه، وأفقدته اتزانه، ولا أقول توازنه.
لقد تقيأ خالد آل خليفة خلال عام من الحصار الجائر كمية هائلة من الحقد الدفين، المطمــــــور طوال السنيـــــــن، ضــــد قطــــر والقــــــطريين، واستفـــــــرغ مــا في جوفــه مـــــن ســمــــوم الغيــــرة اللعيـــــنة، والضغيــــــنة الدفيـــنة، حقــداً على نهضة قــــــطر، وحســـداً من نهوضــــــها، خلال العـــقدين الماضيين، وطمعاً في ثرواتها.
أما عادل الجبير، فيكفي أن أقول عنه «رفقاً بالقوارير»!
.. ولا أريد من الخبثاء إخراج كلامي عن سياقه، والايحاء بأنني أقصد أنه جسّد خلال الأزمة نموذجاً من الأدوار التي يمكن أن تعكسها «المرأة السعودية» على الساحة الدولية، فهذا ليس ما أقصده أو أعنيه, لكننــــي أقصــد من قـــــولي «المــــــرآة السعـــودية» العاكــــسة، وأكــــــرر المرآة التي ينـــــــظر إليــها وزير الخارجية المجبور، فلا يرى في المشــــــهد المكـــسور، ســـوى صـــورته الطافحة بقـــــدر هائل من الاستعلاء والنرجسية والغرور!
.. ونصل إلى الغائب الأكبر في الأزمة الخليجية، وهو «الأمين العام» عبداللطــــيف الزيـــاني، الذي ما زلنا نبحث عنه في «دواعيس المحرق»، ونأمل في من يجده المبادرة بالاتصال بالأمانة العامة لمجلس التعاون في الرياض، علماً بأننا نحتفظ له بتسجيل نادر لأغنية «دار الهوى دار، متى نشوفك يا حلو نفرش لك الدار»، وسنقــــــــوم بتشـــغيلها له فـــور قيـــــامه بـــــــزيـــارتنـــــا فـــي الــدوحــــــة، وفـــــــــقاً لمتطلبــــات، بــــل واجـــــبات منصـــــبه العــام، الــذي لا يحق لأي دولة أن توظفه لصالحها لتحقيق مصالحها.
.. ووسط كل هذه التناقضات، ها هو عام كامل من الحصار يطوي بأيامه ولياليه الليل والنهار، على مدى 365 يوماً، بينما قطر ثابتة على موقفها، منطلقة في إنجاز مشاريعها، راسخة في مكانها، حيث الأرض والعرض، وحيث الوطن والمواطن، والإنسان والمكان، والكيان والكينونة.
.. وهو ذلك المفهـــوم الواســـــع، والمصــــطلح الشاســــع، الـــــذي يشــــمل الصــــفات الــذاتيــــــة، والمواصفـــات الجـــــغرافية للـــــواقــــــع القطـــــــري، المحيط بي وبكــــم في بلدنـــا قطــــر، ويشــــــمل وجودي ووجودكم على أرضها، وتواجدي معكم فيها.
.. وحيث تمثل لي هذه الأرض، ولكل القطريين والمقيمين فيـــــها كــــل مـــــعاني الحــــياة، بل هي حياتي، وذاتي, وذكرياتي, وذاكرتي، ودولتنا الحرة المستقلة.
.. وبدون إدراكنا جميعاً لهذه الحقيقة, وإعلاء قيمتها، فإن حياتنــــا بلا معـــــنى، ولا أســـــاس لها، لأن قطر أساس وجودنا، ومن خلالها نستطيع التمييز بين الوجود والموجود.
بل هي قطر أغلى ما في الوجود، وهي قطــــــــر التي تعني لي ولـــكم سيادتها واستــــــقلالها واستقرارها وجود الكل، أو نهاية الكل!
.. وعاشت قطر حرة مستقلة قبل وبعد الخامس من يونيو.
بقلم: أحمد علي

أحمد علي