كتاب وأراء

تحت راية «تميم المجد»

تحت راية «تميم المجد»

التأريخ بالأحداث الشهيرة أمر درج عليه العرب منذ مئات السنين، ولعل أشهر تلك السنوات هي عام الفيل، وعام الرمادة، وفي مجتمعنا الخليجي والتاريخ الحديث نذكر سنة «النفط» في قطر وسنة «الفقر» في أبوظبي وسنة «الجدري» في البحرين وسنة «الجرب» في السعودية والأمثلة كثيرة.
كيف نؤرخ لعام الحصار في قطر؟ وأي التسميات تبدو أكثر قدرة على اختصار تطورات سنة من هذا الفعل الجائر؟
باختصار شديد وبجواب واضح مباشر:
هو عام الكرامة والسيادة و»الانتصار على الحصار» وأيقونته «تميم المجد» وشعب قطر الوفي.
نعم هو عام سقوط الأقنعة وانكشاف المتربصين والطامعين والحاقدين، وظهور جيل من السياسيين المراهقين المندفعين الذين استبدلوا شعوبهم بجيش أمني وذباب إلكتروني للوصول لمخططاتهم الشيطانية دون أن يحق لأي مواطن عندهم أن يعبّر عن رأيه أو يتعاطف، فحتى الشعور يحاسب عليه بل حتى الصمت يسجن بسببه!!
وليتهم جلسوا على مقاعد الدراسة يتعلمون الحكمة والحنكة من أمير الإنسانية صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد أمير الكويت وحكيم الخليج، والذي تطوع لتطويق الأزمة وقام بالكثير من الجولات والمحادثات والزيارات ومنع الكثير من المؤامرات والاعتداءات، أو ليتهم يستفيدون من هيبة السلطان قابوس ووقاره وكيف يتعامل بسياسة ودبلوماسية راقية مع الأحداث.
عندنا في دوحة «تميم المجد» فنحن بخير وديرة العز في خير، والقائد بشّرنا من الساعات الأولى بـ «العز والخير» ونحن تحت رايته «لا نظمأ ولا نظلم».. وأكدت لنا أيام الحصار ولياليه أننا «بألف خير بدونهم» كما قالها صاحب السمو أميرنا المفدى.
نعم انقلب الحصار وبالا عليهم، أرادوه وسيلة للضغط والانفجار والتفكك والتشرذم، فأصبح بإرادة المولى عز وجل عام الوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي والتكاتف والتعاضد مع قيادتنا صفا واحدا في مواجهة العدوان على بلادنا، والتي أدركت منذ اللحظة الأولى لعملية القرصنة والفبركة، أن المستهدف سيادة قطر وأمنها ومستقبلها، وقبل كل ذلك شعبنا وأمنه واستقراره ومنجزاته ومكتسباته وخيراته، فكان هذا التلاحم العميق بين جميع فئات الشعب، مواطنين ومقيمين.. رجالا ونساء.. كبارا وصغارا، معبرين برأي واحد وموقف ثابت.. حتى صارت أيقونة «تميم المجد» رمزا للصمود والإنجاز والعطاء والوفاء.
وإذا كانت الشهور الماضية قد شهدت نكسة كبيرة في الأخلاق، ونكبة غريبة في القيم ووكسة رهيبة في الأعراف، فإننا في كعبة المضيوم كان لنا عام الثبات على المبادئ السامية والأهداف الإنسانية والتقاليد الدبلوماسية، فاستمر دور قطر الريادي في محيطها وإقليمها وعالمها العربي، وفي العالم بأسره، فيه استطعنا إتمام الهدف الكبير لـ «التعليم فوق الجميع» عبر تمكين «10» ملايين طفل حول العالم، لقناعة قيادتنا بأن التعليم هو السبيل للنهوض، وقطع دابر العنف والإرهاب، بعيدا عن الشعارات الجوفاء، التي لا معنى لها.
لا المساعدات توقفت، ولا العطاءات انقطعت، فما تفعله قطر جزء أصيل من سياساتها وعاداتها وقيمها الأصيلة، لا تنشد من ورائه مكسبا ولا تفعله بمنة أو أذى، كما هو الحال في بعض العواصم المارقة التي تقدم خدماتها الخيرية لبعض الدول والجزر الفقيرة مقابل السيطرة على خيراتها!
تعرضنا للكثير من الظلم، وليس هناك ما هو أقسى من الحصار، وللتوضيح أكثر لمن يلتبس عليه المعنى ولا يفهم من المرة الأولى ويعتقد عندما نقول إننا تضررنا من الحصار أن هناك تناقضا بين هذا القول وبين ما نؤكده بانتصارنا على الحصار، لهؤلاء نقول نحن تضررنا فقط من نقطتين أساسيتين: حرمان الشعب القطري من حقه المكفول له بموجب كل القوانين والأعراف بزيارة المشاعر المقدسة (مكة المكرمة والمدينة المنورة) فهي ليست ملكا لأحد، حتى يتحكم في من يدخل ويمنع، بل هي للمسلمين أجمعين، والنقطة الأخرى المؤلمة هي قطع الأرحام والتواصل بين الأسر المشتركة، وهذه الأفعال مضافا لها التشجيع على القرصنة وسرقة حقوق الغير ليس فيها من أخلاق الإسلام ولا مروءة الجاهلية، بل هي تصرفات صبيانية ترتد على أصحابها وتسجل في صحائفهم.
وقابلنا كل ذلك بصدر رحب، وسعة أفق، وعقل منفتح، فلم نبعد مواطنا من دول الحصار، ولا مريضاً ينشد العلاج، ولا قطعنا الطريق على طالب علم، فهذا ما تربينا عليه من ديننا ومجتمعنا، لإيماننا العميق بهذه القيم والمبادئ السمحة.
أما عدا النقطتين المذكورتين: «الأماكن المقدسة وصلة الرحم»، فإن قطر حققت أعلى درجات الانتصار على الحصار، وسببت لهم عقدة ومرضا وانكسارا، لأنها لم تنهر كما توقعوا، بل على النقيض، ازدادت قوة ومناعة وشراسة وصمودا، وباتت أقوى شخصية وإقناعا وتأثيرا لدى العالم، وذلك لعدة أسباب: أولها، عدالة قضيتها وسلامة موقفها كما أن توجيهات صاحب السمو منذ اللحظات الأولى لقيادات الدولة بالعمل على قدم وساق لمواجهة الحصار والتصدي له بكل قوة، بحيث لا ينقص شيء على أي مواطن أو مقيم، جعل هذا الحصار لا وزن له ولا قيمة، فلم يشعر به الناس، بل إن كثيرا من البضائع التي تم استبدالها أعلى جودة، وفتح الآفاق لأسواق أخرى أكثر تميزا.
وقامت الحكومة فورا بتطبيق التوجيهات الأميرية، وتحركت في الداخل لتأمين متطلبات الناس واحتياجاتهم، فشجعت الاستثمار ودعمت المزارع ووفرت كل المستلزمات الضرورية لنهضة صناعية زراعية غذائية هائلة، هدفها النهائي تحقيق الاكتفاء الذاتي في أكثر من مجال.
خلال عام واحد حققنا ما يشبه المعجزة، عبر توفير الاحتياجات بنوعية أعلى، وبأسعار تنافسية، وصارت أسواقنا عامرة بالمنتج القطري، وصار هذا المنتج عنوانا للثقة، واستطعنا تحقيق الاكتفاء الذاتي بسرعة وبنوعية تضاهي، وعبر نوعيات عالمية أكثر شهرة، وليس منتجات دول الحصار التي فتحنا لها أسواقنا في الماضي من باب المجاملات والدعوة للتكامل الاقتصادي، لكن حصارهم أرادوه نقمة علينا، فإذا به يصبح نعمة لنا.
وتوالت أخبار الخير على قطر، وكأنها زخات المطر.. فتم في سبتمبر 2017 افتتاح ميناء حمد، أحد أهم وأكبر الموانئ في منطقة الشرق الأوسط، وأحد أضخم مشاريع البنية التحتية، ويشكل أهم بوابة بحرية للتجارة الخارجية لقطر، وهو قادر على استقبال السفن والبواخر بمختلف أحجامها وأوزانها، ولعب دورا بارزا في كسر الحصار، ويعد من أبرز مشاريع البنية التحتية الكبرى التي خططت دولة قطر لإنجازها، وفقا لرؤية قطر 2030، التي خصصت لها ميزانية تفوق 140 مليار دولار، وتتوزع هذه المشاريع الضخمة بين شبكات الطرق البرية والبحرية والجوية والسكك الحديدية.
خارجيا لعبت الدبلوماسية القطرية أدوارا بالغة الأثر في إدارة الأزمة، وأظهرت قدرا رفيعا من المهنية في تعاطيها مع مكونات الحدث، وانطلقت تجوب بقاع الأرض لتبسط حجتها من جهة، وتدحض حجج خصومها من جهة أخرى، وهي استمدت قوتها من إيمانها العميق بعدالة موقفها، ومن ذلك التآزر والتكاتف والتلاحم من أبناء الشعب القطري مع قيادته الشجاعة، ولا أدل على ذلك من الإشادة اللافتة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بصاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، التي قال فيها إنه معجب بشخصية صاحب السمو، وأنه ذو شعبية كبيرة وشعبه يحبه.
كانت تلك التصريحات لها مغزاها العميق، فهي في أحد جوانبها رسالة لدول الحصار بأن الشعب القطري ملتف حول قيادته، وأي محاولة للوقيعة لن يكتب لها النجاح، وهي إشارة لها مغزاها أيضا، خاصة وأن ما قاله عن بعض دول الحصار يختلف تماما عن إشادته بصاحب السمو، إذ ألمح لاحقا إلى أن بعض الأنظمة الخليجية لن تصمد أسبوعين لولا الحماية الأميركية.
ثمة فارق مهم هنا، بين قائد يلتف شعبه حوله، ويبادله الحب والاحترام والتقدير، وقادة لا يمكنهم الصمود لأكثر من أسبوعين لولا الحماية الأميركية، ويبدو أن الرسالة وصلت للمعنيين، إذ غرد عبد الخالق عبد الله قائلا إن الإمارات وبلدانا أخرى ستبقى بعد أن يغادر ترامب السلطة.
ولم تكن الإمارات وحدها التي فهمت مغزى التصريحات، فالسعودية عبر وزيرها المتردد المتأتئ، رد عليها بصورة غير مباشرة، أثارت السخرية في العالم، عندما حاول الجبير بطريقة سخيفة أن يحرف مسار تصريحات ترامب ويوجهها عبر حركات شفتيه نحو «قطر»، معتبراً أن على الأخيرة أن تدفع ثمن وجود القوات الأميركية في سوريا.. وكأنه قد حن لأيام العمل في السفارة السعودية في واشنطن، عندما كان يعمل مترجما، ونسي أنه أصبح اليوم وزيرا وعاد ليترجم تصريحات رئيس دولة أخرى ويفسرها ويحللها.. في خطوة مهينة لا داعي لها وغير مألوفة في العمل الدبلوماسي!
هذه رسالة صريحة وواضحة من ترامب إلى دول الحصار تقول: ابعدوا أياديكم عن قطر وأميرها وشعبها، وهذه تحسب لدبلوماسيتنا الخلاقة التي تمكنت، رغم الحصار، من نقل الصورة الحقيقية بكل شفافية لهذا التلاحم الرائع، وكان أن كسبنا احترام العالم وتعاطفه وتقديره لمواقفنا وسياساتنا وتوجهاتنا.
لقد اتكأت السياسة الخارجية القطرية، في إدارتها للأزمة، على رصيد من المصداقية الأخلاقية والفاعلية الإعلامية، فاستطاعت أن تحقق مكاسب دبلوماسية عدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، خاصة الولايات المتحدة، التي حاولت دول الحصار استمالتها لصالح مواقفها، لكن الحقائق كانت أقوى من أن يحجبها التضليل والافتراءات والتشويه، وكشف الحوار الاستراتيجي الأول الذي عقدته حكومتا دولة قطر والولايات المتحدة في العاصمة الأميركية واشنطن في الثلاثين من يناير الماضي، والذي استمر لمدة ثلاثة أيام، عن زيادة التوافق والتلاقي في الرؤى الاستراتيجية بين البلدين، وأكد مجددا على الحاجة للبقاء كحليفين وصديقين مقربين.
كل ذلك أدى إلى تعزيز العلاقات القوية أصلا، وأكد فشل، المحاولات الإماراتية خاصة، من أجل دق إسفين بين قطر والولايات المتحدة، والذي أنفقت من أجله ملايين الدولارات، وفي الواقع فإن دول الحصار هي المحاصرة فعليا، حيث تنتقل من أزمة إلى أخرى، والأمثلة كثيرة وواضحة وضوح الشمس، وآخرها تصريحات الرئيس الفرنسي حول احتجاز رئيس وزراء لبنان سعد الحريري في السعودية، وفي ذلك إدانة واضحة لسياسة البلطجة السعودية واتهام صريح للرياض بالعبث بأمن ووحدة واستقرار لبنان، ثم ما يتردد بقوة عن صدور تعليمات بعدم التعاقد مع شركات ألمانية لموقف برلين المناهض للسياسات التي تنتهجها الرياض خاصة في اليمن.
أما أبوظبي فمشكلاتها أكثر من أن تحصى، وقد تحولت بالفعل إلى إمارة مارقة وقاطع طريق عالمي، بدليل ما فعلته في سقطرى اليمنية، وقبل ذلك طردها من الصومال، وتأجيجها للحرب الأهلية في ليبيا، عبر دعم حصار درنة وتدمير بنغازي، وتحولها إلى سيف مسلط على قضايا العرب والمسلمين، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث تنشط في التطبيع مع إسرائيل عبر أكثر من طريق، وفي الوقت الذي يجري فيه العمل على تهويد القدس رأينا دراجيها برفقة دراجي البحرين يخوضون سباقا هناك.
قال الرئيس الأميركي لنكولن يوماً:
«يمكنك أن تكذب على جميع الناس بعض الوقت، ويمكنك أن تكذب على بعض الناس طوال الوقت، لكن لا يمكنك أن تكذب على جميع الناس طوال الوقت».
لقد تكشفت الحقائق بعد عام من الحصار، وصار واضحا للقاصي والداني، أن هناك مؤامرة متشعبة وراء استهداف قطر، أهم ما فيها استهداف ما تمثله من قيم ومبادئ وأخلاقيات.
ختاما..
مع إشراقة شمس هذا الصباح الخامس من يونيو، نكون قد أكملنا العام الأول من معركة «الاستقلال الثاني» بكل صمود وشموخ وكبرياء، دون أن تقدم دول العار أي دليل على مزاعمها، فإذا كانت بلادنا الغالية قد استقلت بأرضها في الثالث من سبتمبر عام 1971 فإنها في 2017 قد استقلت بقرارها الوطني، ورفضت المساس بسيادتها أو التدخل في سياساتها..
إنه عام المجد والانتصار على الحصار بكل ما تعنيه هذه الكلمات من معان، وسيبقى علامة فارقة في تاريخ قطر ومسيرتها وصمودها والالتفاف الأسطوري لشعبها وكل مقيم على أرضها حول قيادة كرست كل الوقت والجهد، وبذلت الغالي والنفيس، لرفعة قطر والحفاظ على سيادتها وكرامة أهلها..
فرد عليها الشعب‏ بصوت واحد:
«كلنا تحت راية تميم المجد..
وأمّا قطر فوق ولا مالنا خانة».

بقلم:محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري