كتاب وأراء

فَضاءُ الأديَانِ بَيْنَ الوَاقِعِ والتَطلُّعَات

لا يجادل اثنان في كون الدعوة إلى تفعيل دور دراسات الدِين المٌقارَن وحوار الحضارات؛ تُعتبر سمة من سمات النصف الثاني من القرن العشرين، وكأنما أدرك العالم بعد اكتوائه بلَظى حروب عالمية مدمرة؛ أنَّ البشرية لا تستطيع أن تتحمل حروبًا أخرى بعد أن حصدت ويلات كثيرة أسهمت في تفاقم المشكلات الجوهرية الكبرى التي ظل يعاني منها كلٌ من الغالب والمغلوب، لذلك بادرت جهات ومؤسسات كثيرة في العالم إلى تبني الدعوة إلى الموازنة المنظمة للعقائد والممارسات في أديان وحضارات العالم؛ أملًا في الالتقاء على مبادئ موحدة وقواسم مشتركة بين أتباع مختلف الأديان والحضارات، لتكون كفيلة بفتح الطريق للتفاهم والتعاون والتعايش.

قارئي العزيز، إنَّ الإسلام كدين وحضارة؛ عندما يدعو إلى التفاعل بين الأديان والحضارات ينكر المركزية الدينية والحضارية التي تريد للعالم دينًا واحدًا وحضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الدينية والحضارية الأخرى، فالصحوة الإسلامية المعاصرة تسعى إلى أن يكون العالم «منتدى أديان وحضارات» متعدد الأطراف، ولكنه، مع ذلك، لا يريد للأديان والحضارات المتعددة أن تستبدل التعصب بالمركزية الدينية الحضارية القسرية، إنما تريد لهذه الأديان والحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في كل ما هو مشترك إنساني عام، وإذا كان الإسلام دينًا عالميًا وخاتم الأديان؛ فإنَّه في روح دعوته وجوهر رسالته، لا يرمي إلى تسلُم (المركزية الدينية) التي تجبر العالم على التمسك بدينٍ واحد، إنه يُنكر هذا القسر؛ عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سُنَّةً من سُنن الله تعالى في الكون.

لقد دعت محافل ومنظمات كثيرة إلى حوار الأديان منذ الستينيات من القرن المنصرم ثم انتهى الحوار إلى أوراق نشرت في كتب وأذيعت في صحف لكنها لم تثمر نتائج ملموسة حتى الآن، وإذا كانت جهات غربية كثيرة قد دأبت على الدعوة إلى حوار الأديان والحضارات وفق شروط وضوابط معينة أملتها ظروف التفوق والاستعلاء الغربي، فإن الطرف الإسلامي خاصة في عصر الصحوة الإسلامية الراهنة؛ لم يكن بعيدًا عن فكرة تنظيم مؤتمرات وملتقيات دولية- تمامًا مثل المؤتمرات التي نظمها مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان- لترسيخ آليات الحوار والتقريب بين الثقافات والحضارات من طرف مؤسسات ومنظمات ثقافية إيمانًا منها بأنَّ الحوار الديني والحضاري؛ يعتبر مطلبًا إسلاميًا مُلحًا يدعو إليه القرآن الكريم وتبشر به السنة النبوية الشريفة.
بيد أن التفاعل الديني الحضاري لا يمكن أن يتم ويتحقق؛ إلا عن طريق حوار بناء وفعال بين الأديان، وقد سبق لعالم اللاهوت الألماني هانس كينغ أن قال: «لا حوار بين الحضارات بدون سلام ولا سلام بدون حوار بين الأديان»، وإذا كان القرن الواحد والعشرون هو قرن الأديان بامتياز؛ كما قال المفكر والكاتب الفرنسي أندريه مالرو، فإن الدين قد أضحى منبع الثقافات وملهمها، ومنه تتأتى معظم خصوصيات الشعوب ومقوماتها، ويرمي إلى أن لا يظلم أحد حقًا هو له بسبب تميزه الديني عن الآخرين، كما يرمي إلى تحقيق العيش المشترك في عالم يسع الجميع مهما كانوا متباينين على المستوى العقائدي والثقافي والحضاري.

إنَّهُ رُغم كُل التُهَم التي تطال الجهود الحالية في الحوار الديني؛ خاصة الجهود المبذولة في مؤتمرات الحوار الديني وتوصياتها، والتي تُتَهَم بأنها تكرار واجترارٌ وتطبيل وتزمير لا فائدة منه، إلا أنني أجدني متفائلة، بل وأنتقد تلكَ النظرة الموغلة في السوداوية؛ حيثُ إنَّ وجود هذه الجهود المحلية والدولية تمُدُ يدًا رسمية نحو الآخر لتصافحهُ وتُقَرِّبَهُ من دائرة التواصل والتلاقي على جادةٍ قريبة مهما بدا لنا الأمر بعيدًا، فالحقيقة أنَّ هذه الجهود ستحقق مآلاتها ولو بعد حين، وليس علينا هنا التقاعس ورَدّ كُل شيء، بل علينا التوصل لحل جذري لمسألة تجسيد التوصيات التي تخرج منها مؤتمرات الحوار الديني في كل مكان؛ على أرض الواقع.

إنَّ دولة قطر تعد الحوار والسلام جزءًا من سياستها الداخلية والخارجية، فهي حريصة على تعزيز قيم التسامح والتعاون ما بين الأديان والثقافات، كما تسعى لبناء مؤسسات وطنية تُعنى بنشر ثقافة السلام وقبول الآخر، ومحاربة التطرف ونبذ العنف على المستوى الوطني والإقليمي والدولي حيث تبنت دولة قطر من خلال الحوار سياسة نشر السلام ما بين الشعوب المتنازعة وبذلت جهودًا كبيرة لحلّ النزاعات عن طريق الوساطة استنادًا إلى ميثاق الأمم المتحدة.
وكانَ مِن جُهُود الدولة في هذا الجانب افتتاح برنامجٍ خاص في كليَة الدراسات الإسلاميَّة بجامعة حمد بن خليفة يُعنى بِمُقارَنَة الأديان، هذا البرنامج الفريد من نوعِه في المنطقة، أسسَهُ وِفقًا لرُؤية الدولة، العالم الإسلامي الجليل، الأستاذ الدكتور محمد خليفة، الذي يُعتبر من أهمِّ القامات الفكريَّة الإسلاميَّة المُعاصِرة في مجال مُقارنة الأديان، حيثُ ألَّفَ أسفارًا علميَّة متخصصة في مجالات: تاريخ الأديان، الشخصيَّة الإسرائيليَّة، علاقة الحركة الصُهيونيَّة وعلاقتها بالتراث اليهودي، تاريخ وحضارة الشعوب السامية، علاقة الإسلام باليهودية، التراث الشرقي القديم، ظاهرة النبوة الإسرائيلية، نقد أسفار العهد القديم، وغيرها الكثير مما يدُل على مكانة هذا المفكر الإسلامِي المُعاصِر وقُدرتِه في استحداث برنامجٍ خاصٍ فريد مِن نوعه، ليرفِد البِلاد والإنسانيَّة بمتخصصين في هذا المجال الحيوي، فقد خرَّج البرنامج حتى الآن ما يُقارِب 50 متخصصًا سيُسهِمون بجهودِهِم الفكريَّة والبحثيَّة المأمُولَة؛ في إحداثِ فَهمٍ واسِعٍ وأعمقٍ ودَقيق للمعتقدات والممارسات الإنسانية وبكُل ما يتعلَّق بِما هُو إلهي ورُوحانِي ومقدس وموقر، كما سيُسهِمون، بإذن الله وتوفيقه، في إحداث فهمٍ منهجيٍ للاهتمامات الفلسفيَّة للأديان، مثل: مفاهيم الأخلاق وما وراء الطبيعة وطبيعة وشكل الخلاص، الأمر الذي سيوفِّر أرضيَّة خِصبة للتعايُش والفهَم والحوار.

إنَّ برنامج مقارنة الأديان في جامعة حمد بن خليفة يحتاجُ إلى أن يُنظَر فيه من قِبَل أصحاب الشأن، فهذا البرنامج، الذي يُعتبر من أهم البرامج المُصممة في هذا المجال، في حاجَةٍ ماسَّة للعمَل الجادّ والسريع لافتتاح برنامج الدكتوراه، الأمر الذي سيضمَنُ تأكيد المسار لخريجي البرنامج وبالتالي زيادة فاعليتهِم في إحداث فهمٍ أعمق للأديان، ذلك المكون الأساسي من ميراث الإنسانية الثقافي والحضاري، وفي هذا الصدد أُشيد بجهود عددٍ من العُلماء الذينَ لم يَدَّخِروا جُهدًا في إدارة وتطوير البرنامج وتوجيه مُخرجاتِه بالشكل الصحيح، وهُم كُلٌ مِن: مُؤسس البرنامج، الأستاذ الدكتور محمد خليفة حسن، الدكتور إبراهيم محمد زين، الدكتور بدران بن مسعود الحسني، د. أحمد هويدي، د. محمد مختار الشنقيطي، إضافة إلى كُل من سعى في دفع عملية الدراسة العلمية لهذا المجال الحيوي؛ إلى الأمام. إنَّ برنامج الدكتوراه المأمول يُعتبرُ ضرورة دينيَّة وحضاريَّة وحياتيَّة ووطنيَّة، ويُنتظر من القائم على هذا القرار أن يلفِت عِنايتَهُ إلى أن غالبيَّة الحساسِيات والإشكالات والتحدِّيات الإنسانيَّة تُنتَج بسبَب جَهلِنا بالذات وجَعلِنا بالآخر، وأنَّ قرارًا بإدراج الدكتوراه؛ سيُعَد خطوة تأسيسيَّة هامَّة نحو فهم الذات والآخر فهمًا شامِلًا وعميقًا وبالتالي درِء كافَّة تِلك التحدّيات من مُنطلَق إيمانِنا ومعرفتنا بأدوارِنا الإنسانيَّة المنوطَة في هذا الكون الفسيح.

قارئي العزيز، إنَّ تمتين كل حوار منشود بين الإسلام والغرب؛ يقتضي إعادة طرحٍ جديد يُبنى على الوضوح ويلتزم بأخلاقيات الحوار، ويُعيد النَظَر في الأهداف والوسائل الموصلة إلى ذلك، ولن يكون هذا مجديًا في رأيي؛ إلا إذا تمَّ توسيع قاعدة هذا الحوار ليصير حوارًا أكاديميًا ثقافيًا مدنيًا، يشمل كل المكونات والفعاليات الثقافية في المجتمعين المتحاورين.
ويبقى الأمل العريض الذي ينبغي النظر إليه بتفاؤل من طرف أتباع الحضارتين الإسلامية والغربية هو أن حتمية الحوار الديني الحضاري؛ أمرٌ واقع لا محالة طال الزمن أم قصر، لأنه في نهاية الأمر؛ لابُدَّ أن تنتصر الإرادات والعزائم الساعية إلى إدارة الحوار الديني والحضاري بين الطرفين وتفعيل العمل المشترك الذي يحركه الفهم والوعي الجماعي للمخاطر التي تحدق بالبشريَّة جمعاء.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي