كتاب وأراء

«بــــريفيــــر».. الحيـــــــاة المضغــوطـــة

لا صوت يَعْلُو على صوت الآخَر الذي يَشْقَى وقد أُجْبِرَ على أن يَبقى، ولا أنفاس تَحبس الإحساس في درجة الصفر غير تلك التي تختلسها عامة الناس، الناس الذين خَبَرُوا الشقاءَ، والهوان، واخْتَبَرَتْهُم الحياةُ في أكثر مِنْ امتحان.
مِن خيمة إلى خيمة يَمضي خيط رابط، هو خيط يُوَفِّقُ بين مَنْ فشلت مطرقة الحُكم في تسوية قضيتهم عند صُنَّاعِه، لكنْ صَدِّقْ يا صديقي أن لمطرقة الشِّعر كلمة لا تَسقط.
أن تَكونَ شاعراً معناه أنك الأكثر تَمَرُّناً على الإحساس بقضايا الناس، أن تَكونَ شاعرا معناه أنك لا يمكن بِحال أن تغضَّ الطرفَ عن هَمٍّ يَسقط كالسقف على أهله، أن تَكونَ شاعرا معناه أن تُؤازِرَ وتُؤاخي، أن تتضامَنَ وتتعاطف، وأن تُسْعِفَ مَنْ لا صوت له أنتَ الذي لا تَستكثر صوتَك على الآخَر المصلوب على جِدار الأيام الصعبة:
«في أي يوم نحن
إننا الأيام كلها
يا صديقتي
إننا الحياة كلها
يا حبيبتي
نتحابّ ونحيا
نحيا ونتحابّ
ولا نعرف ما هي الحياة
ولا نعرف ما هو النهار
ولا نعرف ما هو الحُبّ» [جاك بريفير، قصيدة «أغنية»، كتاب: كلمات].
جاك بريفير JACQUES PRÉVERT يَقول لنا: تَعالوا.. إنه يَدعونا إلى حفل شِعر هو الشاعِر بآلام المعذَّبين الذين تَنام عيون الحياة ولا تَراهم، لكن جاك بريفير يُؤَكِّدُ أنه يَراهم، يَراهم بما فيه الكفاية.
في مِرآة الشِّعر، شِعر جاك بريفير، نُعاين الآلامَ والآمال محمولة في سلال على رؤوس الزاهدين في فنّ الحياة، إنهم أولئك الذين فَرَّقَتْهُم الطرقات، لكن المصيرَ الواحد جَمَعَهُم وضَمَّ صوتَ الواحِد منهم إلى الآخَر:
«بِرَك من الدم كبيرة فوق العالَم
إلى أين تراه يَذهب كل هذا الدم المراق
أهي الأرض التي تَشربه وتَسكر...
إلى أين تراه يَذهب كل هذا الدم المراق
دم الجرائم، دم الحروب،
دم الشقاء،
ودم الرجال المعذَّبين في السجون...
إلى أين يَذهب كل هذا الدم المراق
دم المضروبين بالمطرقة، المهانين،
المنتحرين، المعدمين بالرصاص، المحكوم عليهم،
ودم أولئك الذين يموتون هكذا، مصادفة» [جاك بريفير، قصيدة: أغنية في الدم].
ابن الشعب ليس بآخَر سوى ذلك الْمُبَلَّل بهموم الشعب، ابن الشعب هو ذاك الحريص كُلّ الحِرص على أن يتقاسَم الْمِحَن والشجَن مع بَني طينته، يتقاسم معهم المصائب التي لا تَأتي فرادى، لذلك وَجَدْنا الشاعر أكثر مَنْ نادى بضرورة إعلاء صوت الشعب لِيَسْمَعَه صُنّاع القَرار قبل يَأذنوا له بالانتصار.
جاك بريفير نشأ في بيئة فقيرة رضع فيها الحرمان، لكنه لم يُوثِر الكتمان، فبعد أن عَلَّمَتْهُ مَدْرَسةُ الحياة حَقَّ إعادة اللقمة إلى الفَم باتَ هو لسان مَن لا لسان له، بل لِنَقُل إن جاك بريفير استفاد أكثر فأكثر من لسان الشِّعر الذي انتصر فيه لِمَن ضاع حَقُّهُم في التعبير:
«في زاوية شارع لم يَبق موجوداً
يتنزه الموت كما لو أنه في بيته...
في زاوية شارع لم يَبق موجودا
الموت يصطاد زبائنَه، يتبرَّج» [جاك بريفير، أشياء وقصائد أخرى].
هل كانت قوةُ ضغط الواقع لِتُوَلِّدَ الانفجارَ مِن مَدخَل الثورة على الواقع؟!
هل كان التمرد وإعلان العصيان والثورة على سلطة الواقع البابَ الذي تسلل منه جاك بريفير لإعادة الأمور إلى نصابها؟!
أم هل كان القفز على الكائن خطوة على طريق المضي قدماً في اتجاه قِبلة الممكن؟!
مَرَدُّ هذه التخمينات هو خروج جاك بريفير عن النص عندما استعان بزملائه المتمردين لوضع حجر الأساس لما سمي بالحركة السوريالية، ولا غرابة أن تأتي تلك الحركة في وقتها لِتُعَرِّيَ ما هو موجود من منطلق ترجمته، حتى حين، في صورة ما فوق الواقعي.
في مقدمة الكتب التي رسَمَتْ ملامح شمس الشهرة والمجد تلك التي أضاءَتْ سماءَ جاك بريفير وقُرَّاءَه يأتي كتابُ «كلمات»، ولا يختلف اثنان في أن كتاب «كلمات» خلَّفَ أصداءً طيبة في صفوف مَن تَلَقَّفُوه بحُبّ.
لكن بعيدا عن كتاب «كلمات» وسواه، كان لشاعرنا موعد متميز مع كتابة السيناريوهات، وكذلك مع الكتابة بالألوان في تجربة تشكيلية تَرَكَتْ طابعها الخاص، وسَلَّطَت المزيدَ مِن الأضواء على كاتِب مُبْدِع لا يَخونُه العثور على القالَب المناسِب الذي يَصلح لِيُفرِغ فيه ما يُلْهَمُ به.
تجربة جاك بريفير أَثْرَت المشهدَ الأدبي الفرنسي، وأَغْرَت الدارسين بدراستها بحثاً عن فردوس المعنى المفقود في عيون مَن لا يُجيدون لعبةَ التأمل والتنقيب عن الكنز الأدبي المدفون بين سطور التجربة: «حصان يسقط في وسط ممر الأوراق تتهاوى فوقه حبنا يرتعش والشمس كذلك» [جاك بريفير، كتاب: كلمات].
أطباق نَصِّية تُقدم فلسفةَ الحياة في صورة تأتي مُبَسَّطةً، على شاكلة السهل الممتَنِع، نكايةً في تعقيد الحياة، هكذا يَكتب لنا جاك بريفير مُخْتَزِلاً الحياةَ في كلمات، أو لِنَقُلْ على وجه الدقة إن كتابةَ بريفير تُقَدِّمُ لنا الحياةَ مضغوطةً: «إنه الجَمالُ، قال البؤس. إنها اللذة، قال الألم. إنها القسوة، قال الحنان. إنها اللامبالاة، قال اليأس. إنه الموت، قال الشقاء. أختي، إنه الحُبُّ، قال الحظ الحظ السعيد» [جاك بريفير، أشياء وقصائد أخرى].
شاعِر مُلْهَم، قضيته الأولى الدفاع عن الحياة، وإعادة الحياة لِمَن يَستحقها، هذا هو جاك بريفير لِمَن لا يَعرفه.

بقلم : د.سعاد درير

سعاد درير