كتاب وأراء

تشكيل الحكومة اللبنانية.. بين العقد المستجدة والتوازن الجديد

ما أن تم تكليف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة، بناء على نتائج الانتخابات النيابية، حتى بدأت تطرح جملة من العقد الإضافية في طريق تأليف الحكومة، التي عادة ما تواجه بعض المشكلات النابعة من مطالب الكتل النيابية ان لجهة حجم تمثيلها أو لجهة طبيعة الحقائب الوزارية التي ستحوذ عليها، سيادية كانت أم خدماتية. وإذا كان تشكيل حكومات ما بعد الطائف يشهد عادة مفاوضات وعمليات شد حبال وشروطا وشروطا مضادة، فإن تركيبة المجلس النيابي اللبناني الجديد، أضافت عقدا جديدة في هذا الطريق، نابعة من نتائج الانتخابات التي أنتجت لوحة جديدة من توازن القوى، يحكم تشكيل الحكومة، ويحتم على الرئيس المكلف أخذه بالاعتبار إذا ما كان يريد النجاح في تأليف الحكومة وأن لا يصل إلى طريق مسدود في عملية الاتفاق على تشكيلها وخروجها إلى النور.
من يدقق في المجلس النيابي الجديد يلحظ بوضوح انه محكوم بتوازن جديد لم يكن سائدا في برلمانات ما بعد تطبيق اتفاق الطائف، وهذا التوازن الجديد يتجسد في وجود ثلاثة كتل أساسية عريضة يتوزع عليها النواب، وهي:
أولا: كتلة الثامن من آذار التي تضم نواب حركة أمل وحزب الله والأحزاب الوطنية وبعض النواب المستقلين.
ثانيا: كتلة الرابع عشر من آذار التي تضم نواب تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وبعض النواب المستقلين.
ثالثا: كتلة التيار الوطني الحر.
ويبدو من الواضح أن هناك ما يشبه التوازن بين 8 آذار و14اذار، في حين أن موقف التيار الوطني سيكون هو الحاسم في أي اتجاه ستسير فيه الأمور، حيث يوجد اعتقاد بأن التيار الوطني سيكون بمثابة بيضة القبان المرجحة لأي قرار ستسير فيه البلاد ان كان على صعيد تشكيل الحكومة، أو على صعيد السياسات الداخلية والخارجية التي ستسلكها الحكومة سواء كان على صعيد التوجه العام الذي سيرسم في البيان الوزاري، أو على صعيد السياسات الوطنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والخدماتية ومكافحة الفساد وغير ذلك من قضايا متعلقة بالإصلاح والتغيير. ولهذا من المتوقع أن يتموضع التيار الوطني في الوسط بين فريقي 8 و14اذار، ويكون لموقفه من أي مسألة الدور المرجح لأي قرار ستتخذه الحكومة الجديدة بعد تشكيلها.
من هذا المنطلق فإن تأليف الحكومة سوف يعكس هذا التوازن، أي ستكون حصة 8 آذار مساوية لحصة 14 آذار، وحصة التيار الوطني هي الحصة المرجحة بين الفريقين. ولا يمكن تشكيل الحكومة خارج هذا التوازن لأن الطائف نص على تمثيل الكتل حسب احجامها.
ومع هذا فإن ذلك لا يعني أن تشكيل الحكومة سيكون سهلا، ففي الظروف العادية يكون هناك صعوبات وعقبات تعترض التأليف، فكيف والحال في ظل بروز عقد جديدة لم تكن مطروحة سابقا مثل:
1 – عقدة تمثيل القوات اللبنانية التي تشترط أن يكون تمثيلها مساويا للتيار الوطني الحر، مع ان الأمر من الزاوية العملية غير ممكن كون كتلة التيار تفوق كتلة القوات حوالي الضعف، 29 نائبا للتيار مقابل 15 نائبا للقوات، تطالب الأخيرة بأن تحظى بحصة رئيس الجمهورية أيضا انطلاقا من أنها أسهمت في انتخابه.
2- عقدة تمثيل رئيس الجمهورية، وهذه العقدة ظهرت بمطالبة قوى 14 آذار بعدم إعطاء الرئيس ميشال عون حصة وزارية، كما جرت العادة مع الرؤساء السابقين الذين تعاقبوا على الحكم بعد الطائف، والمبرر الذي تطرحه هذه القوى هو أن الرئيس عون، على عكس الرؤساء السابقين، يملك كتلة نيابية كبيرة من 29 نائبا سوف تمثل في الحكومة بحصة وازنة، ولتعطيل حصوله على حصة وزارية تعزز موقف التيار والعهد في الحكومة بدأ طرح إعطاء حصة مماثلة لرئيس الحكومة.
3- أما العقدة الثالثة فهي عقدة تمثيل النائب طلال أرسلان، حيث يصر الحزب التقدمي على تسمية وزراء الطائفة الدرزية باعتباره هو الذي يحوز على التمثيل الدرزي الوازن في البرلمان.
أمام هذه المعطيات من المرجح أن تشهد عملية تأليف الحكومة المزيد من التعقيدات التي تضاف إلى التعقيدات التقليدية المعروفة في عملية تشكيل الحكومات في لبنان.
لكن الأكيد أن الحكومة الجديدة سوف تكون معبرة عن التوازن الذي يجسده البرلمان الجديد، وبعض العقد المطروحة سيتم تذليلها، لكن أي محاولة لتجاوز هذا التوازن أو طرح تمثيل غير واقعي لبعض الكتل فإنه لن يقود سوى إلى إطالة أمد التشكيل، وفي النهاية سوف يجري التسليم بالتوازن الجديد كحقيقة لا يمكن القفز فوقها.
على أن الحكومة الجديدة بعد تشكيلها ستكون أما مواجهة تحديات عديدة تفرض عليها إعادة النظر بالسياسات التي كانت قائمة طوال المراحل السابقة والنابعة من اعتماد السياسات الليبرالية الريعية التي أدت إلى إضعاف الإنتاج الوطني الصناعي والزراعي لصالح الشركات المالية والعقارية، وأدت كذلك إلى إيقاع لبنان تحت عبء الدين العام والخارجي وفوائده المراهقة مما تسبب بالعجز المتزايد في الموازنة العامة، وارهاق اللبنانيين بفرض الضرائب غير المباشرة عليهم، وارتفاع تكاليف المعيشة وانتشار البطالة وازدياد هجرة الخريجين إلى الخارج بحثا عن فرص العمل. وتفاقم الأزمات الخدمات، فلبنان لم يعد يحتمل استمرار هذه السياسات ولا استمرار الفساد المستفحل ومواصلة إدارة الظهر لمصلحته في ضرورة الانفتاح وإعادة العلاقات مع سورية لتأمين عودة كريمة للنازحين السوريين، وفتح السوق السورية أمام تصريف المنتوجات اللبنانية، وكذلك الوصول عبرها إلى الأسواق العراقية والأردنية والخليجية.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي