كتاب وأراء

الدبلوماسية بدلاً من التسخين

التصعيد اللفظي الإعلامي، والتلويح بعملٍ ما ضد إيران من قبل الولايات المتحدة لا يُجدي نفعاً وفق ما يراه العديد من قادة الغرب الأوروبي ودول الاتحاد وخاصة ألمانيا وفرنسا، الذين يتمسكون بالاتفاق، ويحاولون ثني إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نقل مفاعيل انسحاب واشنطن من الاتفاق إلى دائرة الاحتكاك الدولي السلبي، وإعادةِ فرضِ عقوباتٍ جديدةٍ على طهران قد تَمِسُّ مصالح دول الغرب التي بادرت لتوقيع اتفاقيات اقتصادية ضخمة ومُجزية مع طهران بعد توقيع إتفاق (5 + 1).
منذ يوليو 2015، فاجأ توقيع اتفاق (5+1) بين إيران ودول المجموعة التي تَضُم (روسيا والصين وفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا + ألمانيا) حكام «إسرائيل»، فردّت «إسرائيل» في البداية بشكلٍ مُتضارب تراوح بين التزام الصمت والتشكيك، ولتطلق بعد ذلك العنان لحنجرتها تهديداً أو تلويحاً بالتهديد. فلا يكاد يَمُرُّ أسبوع دون تحذير من مسؤول بارز في «إسرائيل» من احتمالية تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، ومن أنَّ «إسرائيل» لا يُمكنها قبول دولة إيرانية مسلحة نووياً، ومع ذلك لم تُشِر أي دولة في العالم بما في ذلك الولايات المتحدة إلى أنها سوف تدعم مثل هذا الخيار الذي تدعو له حكومة نتانياهو، أو أن تُسهم به.
وفي واقع الأمر، إنَّ الخيار الدبلوماسي أمام واشنطن يبقى الآن هو الخيار العقلاني والأمثل والأجدى بشأنِ الملاحظاتِ الأميركيةِ التي تَمِسُّ مسألة الاتفاق الموقّع مع إيران بصدد برنامجها النووي للأغراض السلمية، لأن كل عاقل الآن يستبعد الخيار العسكري على الفور، بما في ذلك من داخل الإدارة الأميركية، الذين يعتقدون بأن الخيار العسكري مُستبعد من قبل واشنطن في المرحلة الحالية والمنظورة على الأقل، وقد فرضت هذا الاستبعاد عوامل مختلفة، يُمكن أن نلحظ بعضها بمناقشة عقلانية، فالولايات المتحدة، ومع وجود ترسانة عملاقة وقوية من القدرات الجوية لا يُمكنها بسهولة الاطلاع على درجة وحجم تعزيزات ومقاومة المنشآت النووية الإيرانية، وهذا الأمر يخلق مصاعب أمام واشنطن. فالصور التي تقوم بها المحطات الفضائية الأميركية بالتقاطها هي الأكثر تقدماً من نوعها في العالم، ولكن التصوير هو أحد عناصر جمع المعلومات ووحده لا يكفي على الإطلاق لتقرير الأمور بدقة ونجاح. فالتحولات الجارية مثلاً في إحدى المنشآت داخل إيران تتطلب وجود عناصر معلوماتية لاستكمال عنصر التقاط الصور من الفضاء، وهو أمر غير متوفر لواشنطن. وفي ضوء المعلومات المحدودة من الصعوبة أمام الولايات المتحدة تقدير ما يمكن أن يحدث لهجوم جوي محتمل، حيث من غير المُمكن تقريباً معرفة ما هو الحجم الذي يمكن تدميره وفي ضوء الخيارات الإيرانية العالية في مواجهة أي هجوم جوي أميركي «إسرائيلي».
وعليه، وعلى ضوء الصورة الواردة أعلاه، فان خيار العمل العسكري ضد إيران يتقلص الآن أكثر من أي وقت مضى بالرغم من التحريض «الإسرائيلي» الذي لا يتوقف، والرغبة الجامحة لدى بنيامين نتانياهو لتنفيذ عملية عسكرية جوية مشتركة أميركية «إسرائيلية» ضد إيران. وفي هذا المقام أيضاً فان من السذاجة القول إن «إسرائيل» ستبادر لتنفيذ ضربة جوية ضد إيران بعيداً عن الإرادة والقرار والمشاركة الأميركية اللوجستية والميدانية المباشرة. فــ «إسرائيل» لا تستطيع رفع حجر عن الأرض دون الموافقة الأميركية المسبقة، ودون التغطية الأميركية السياسية واللوجستية وحتى المالية.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان