كتاب وأراء

التغييب في البرامج الرمضانية

من المثير للدهشة فعلا كيف استطاع الإعلام العربي الفضائي تحويل شهر رمضان الفضيل، من شهر للعبادة والتقشف والابتعاد عن ملذات الحياة، إلى شهر للفرفشة والتباهي بموائد الطعام وأنواعه والتسلية الفارغة التي يقدمها الإعلام الفضائي متحالفا مع شركات الإنتاج التليفزيوني، والمعلنين، الذين يتاح لمنتجهم الإعلاني الانتشار الأوسع خلال الشهر الفضيل، بسبب إقبال العرب والمسلمين على متابعة المسلسلات الرمضانية، التي لا يكل ولا يمل صناعها عن إدهاش الجمهور العربي بكمية التفاهة والتغييب والانفصال عن الواقع، عاما وراء عام ورمضان وراء آخر.
فعلى سبيل المثال، تحرص الفضائيات العربية على تقديم برامج خاصة بالطبخ خلال الشهر الفضيل، مستخدمة في ديكوراتها أحدث المطابخ الموجودة في العالم، أحدث أدوات الطبخ وإعداد الطعام وأكثرها ندرة وغلاء، أما بما يخص وجبات الإفطار الرمضانية المقدمة في كل حلقة من هذه البرامج، فيجب أن تكون منوعة بين الحساء والخضار والبروتين والكربوهيدرات ثم الفاكهة والحلويات لتكتمل المائدة الرمضانية الشهية! يتخلل البرامج هذه طبعا مجموعة من الاعلانات عن أحدث أنواع السيارات والهواتف الذكية وشركات الاتصالات وماركات العطور والملابس والماكياج العالمية، وغيرها الكثير من الرفاهيات التي تتمتع بها طبقة اجتماعية صغيرة نسبيا، في مجتمعاتنا العربية التي يقصم ظهر أبنائها الغلاء ورفع الدعم عن الاحتياجات الضرورية للعيش كالخبز والمحروقات، المجتمعات نفسها التي يعيش أكثر من سبعين بالمائة من أبنائها تحت خط الفقر، بعد أن استطاعت سياسات حكوماتها الاقتصادية المتمثلة في انعدام تام للتنمية على اختلاف أنواعها، إلى التبعية الاقتصادية للبنوك الدولية، إلى فتح اقتصاد السوق الاجتماعية، من القضاء بشكل شبه تام على الطبقة المتوسطة، بحيث يبدو المشهد الاجتماعي العربي على الشكل التالي: فئة قليلة تملك أكثر من سبعين في المائة من ثروات البلاد مقابل فئة واسعة جدا تعيش تحت خط الفقر أو تكاد. هكذا تبدو برامج الطبخ المعدة لشهر رمضان خاصة فقط بهذه الفئة القليلة، بينما السواد الأعظم من الشعوب العربية تشاهد ما تشاهده وهي تكاد لا تجد ما يسد رمقها ليس فقط في شهر رمضان، بل على مدار أيام حياتها. لتكتمل المهزلة العربية أيضا لا بد من مسلسلات تليفزيونية تسلي الصائمين، والمتابع للدراما التليفزيونية العربية سوف يلاحظ مقدار الانحدار الذي يزداد عاما وراء عام في المواضيع المطروحة في المسلسلات العربية، خصوصا في رمضان هذا العام الذي يشارف على الانتهاء، إذ تنقسم المسلسلات العربية إلى قسمين: قسم منتج خصيصا لتبييض صفحة الأنظمة العربية وأجهزتها الأمنية، وهو جعل كثيرا من المتابعين يتندرون بالقول: أنه بات للأجهزة الأمنية العربية كتاب سيناريوهات خاصة بها، وأنها، الأجهزة، بدأت تمارس مهنة الإنتاج الدرامي إضافة إلى مهنتها الأساسية في قمع الشعوب، أما القسم الثاني من المسلسلات فهو عن بشر يعيشون خارج مجتمعاتهم، قصور وسيارات فارهة وعروض أزياء، ونساء مثقلات بعمليات التجميل والنفخ والشد والشفط حتى لا تميز ممثلة عن أخرى، وعالم من المال والجرائم والمؤامرات المحاكة بين رجال الأعمال والنساء الغيورات. مما يجعل المتابع يتساءل: لمن تنتج وتقدم هذه المسلسلات؟! هل فعلا لا يرى أصحابها ما يحدث في العالم العربي؟! كل هذا الموت والقتل والفقر والتشرد والتهجير والحروب والاحتلالات المتعددة والموت المتنوع لا يعني أحدا ولا يراه أحد؟! ما المقصود بهذا التعامي المذهل عن القضايا العربية الملحة في الدراما العربية؟! وما هو السبب في هذه الإنتاجات الضخمة التي تكفي كلفتها لإعاشة مخيم لاجئين بأكمله لعدة اشهر على الأقل؟! وماهو السبب في تلميع أسماء معدومة الموهبة في التمثيل ومنحها أجورا خيالية تعادل أجور نجوم هوليوود، في بلاد ترزح تحت وطأة الفقر والجوع والحروب المتنفلة؟! نحن نعيش الانحطاط أيها السادة، نحن في زمن الانحطاط العربي، الانحطاط الذي بات في كل شيء، حتى في تطبيق تعاليم الدين وأركانه، ثم يأتيك من يتحدث عن مؤامرات دولية وكونية على العرب المسلمين، يا لبؤسنا!

بقلم : رشا عمران

رشا عمران