كتاب وأراء

«سمك الوطواط»

مع الحصار المفروض على قطاع غزة من العدو والصديق، جاد البحر على الأهل هناك بوفرةٍ من السمك الذي وُجد نافقاً على شاطئ غزة الجميل، وهو سمك غضروفيٌّ من الحجم الكبير أشبه ما يكون بسمك «الصلفوح» الذي كان صيادو غزة يغرقون به السوق في مثل هذه المواسم. وأطلق الصيادون على هذه الشحنة الكبيرة من السمك النافق «سمك الوطواط» وراحوا يُعملون سواطيرهم في تقطيعه، ونقله على عرباتٍ تجرها الحمير والبغال (فهي بحمد الله لا تزال متوافرةً في غزة) إلى أسواق السمك لبيعها..
وأثناء عملية التقطيع، دار حوارٌ بين متفرِّج وأحد العاملين، سأل العامل:
- هل ذقت طعم سمك الوطواط هذا؟
- طبعاً، أي عليّ اليمين زي الكنافة.
حشْر كلمة الكنافة في مجال طعم سمك الوطواط. يشير إلى أن بلدي غزة لا تزال على وفاق مع الكنافة، رغم حالة اللا وفاق التي تعيشها مع عوالم كمختلفة..
وما دمنا بصدد الكنافة وتشبيه مذاق سمك الوطواط بها، فلنذكّر بِالدَّقَّة، وهي إحدى الأوراق الثبوتية في الهوية الغزاوية ما قبل حماس. وهي أكلة من لا أكلة له. كما أنها طعام الغنيِّ والفقير على حدٍّ سواءٍ، ولا يستغني أيُّهما عنها، ويتم تحضيرها في زبدية فخّارٍ، وهو الصناعة التي اشتُهرت بها غزة عبر التاريخ، ورحم الله شاعرها الذي قال ساخراً:
- ثلاثةٌ في غزة يجْلُبْن الحَزَن.. حاكورةٌ، فاخورةٌ، تل السَّكَنْ
أما تل السكن فقد تحوّل إلى تلّ الزهور، بعد أن عالجه رئيس بلديتها، ابنها البار المرحوم الأستاذ منير محمد الريس «أبو ناهض» ووجّه بغرسه زهوراً، فصار مما يجلب الفرحة والبهجة، وبقيت الفاخورة رمزاً لصناعةٍ يدويةٍ ضاربةٍ في القِدم، والحاكورة بقِثّائها وخُضَرها،ونبتها بقيت رمزاً لخصوبة أرض كنعان.. بلدي غزة.
إذن فالدَّقّة تلزمها الزبدية الفخارية، حيث يُدقُّ بها الفلفل الغزاوي الحار، وعين الجرتادة الجافّة: الشَّبَت»، وفحل البصل، ثم تضاف إلى ذلك كلِّه البنادورة «الطماطم»، ويُعصر عليها الليمون، ويُضاف زيت الزَّيتون الغزاوي وتُمَلَّح حسب الذّوق.
والدقة رفيقة الوجبات الدسمة كالفتة البلدي والمشويات، ولا يستطيب أهل غزة هذين الصنفين من الأطعمة في غياب الدقّة، كما أنه يمكن تناولها مع شكشوكة البيض، وأحياناً كفاتحةٍ للشهية.
لو سئل الغزاوي اللي زي حالاتي: ماذا تشتهي في غربتك؟ فإنه بالتأكيد سيجيب قدرة الرز باللحمة الضاني مع دقّة غزاوية بالزبدية الفخّار.
وبارك الله في زلمتنا الذي شبّه طعم سمك الوطواط بالكنافة.. من وين لوين يا ابن الحلال؟
الله يعطيكم العافية.
بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل