كتاب وأراء

رِيشَةُ العِيدِ السَعِيد

يطل اليوم عيد الفطر السعيد برأسه الواثب علينا أبناء الأمة الإسلامية بعد اشتياق عام مديد، مليء باللحظات التي ملئت قلوبنا شوقا لمواسم الفرح والأهازيج، كل عام وأنتم في أتم خير وسعادة، أعاده الله علينا باليمن والبركات وتقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال، ونسأل الله العلي العظيم أن يعيد علينا رمضان بالخير أعواما عديدة وأزمنة مديدة ويتسلمه منا متقبلا.
يرتبط العيد في كل بلدان العالم بعدد من العادات الاجتماعية الموروثة، حيثُ يأخذ العيد طابعًا مليئا بالبهجة والسرور وتسبقه عدد كبير من التجهيزات التي يتسارع على إتمامها الصغير والكبير، كشراء ملابس العيد، وتجهيز (فواله) العيد وهي الضيافة الخاصة التي تقدم لجموع المهنئين أيام العيد وتشمل الفواكه والحلويات والمكسرات، وصولا إلى تجهيز العيادي أو (العيدية) والتي تعتبر من أهم المفردات التراثية في كل عيد، وتعدّ العيدية التي غالبا ما تكون مبلغا من المال (نقود جديدة في الغالب) أو هدية عينيه، وهي من العادات العربية القديمة التي مازالت محتفظة بأصالة وجودها، ويعود تاريخ العيدية لقرونٍ طويلة، وتحديدا إلى عصر (المماليك) حيث كان السلطان المملوكي يصرف راتباً بمناسبة العيد للأتباع من الجنود والأمراء ومن يعملون معه وكان اسمها الجامكية.
ورغم بساطة فكرة العيدية إلا أنها تدخل السرور في قلب المعايدين، ففي الأسرة الممتدة تجد الجد والجدّة يعايدون (يقدمون العيدية) لأبنائهم وأحفادهم وذلك من باب بر الأبناء والتدليل والمحبة والخصوصية، كما تجد في الأسرة النووية الأب والأم يعايدون أبناءهم الصغار، وكذلك أطفال الحي (الفريج) والذين يتوافدون على منزلهم من بعد صلاة العيد ويرددون لأهزوجة (عيدكم مبارك يا أهل البيت) في شكلٍ يشبه كثيرا ليلة القرنقعوه الشهيرة في خليجنا العربي، وأعتقد أن هذه العادة الاجتماعية الجميلة عليها أن تستمر ولا تندثر كغيرها من العادات التي بادت تختفي مظاهرها شيئا فشيئا مع توغل إنسان اليوم في معاصرته ومدنيَّته، فهي من عادة أخلاقية اجتماعية جميلة، فصورة الأطفال في نهاية يوم العيد وهم يعدّون مبلغ العيدية ويخططون لكيفية صرف هذه المبالغ تزيد أجواء العيد جمالا وروعة، كما أن تجمع أطفال الفريج على شكل مجموعات في صباح العيد يرددون أهزوجة العيد في كل الطرقات تعكس روح المحبة والألفة والتواصل الذي يشيعه أطفال الفريج وفي البيوت وفي اجتماعهم مع بعضهم وتوادهم مما يعطي الانطباع بمدى ما يعيشه المجتمع ككل من تواد وتراحم وتحاب وتعارف.
العيد هو موسم الفرح والسرور، وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم، إذا فازوا بإكمال طاعته وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته كما قال تعالى: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ»، للعيد فرحة، فرحة بفضل الله ورحمته، وكريم إنعامه، ووافر عطائه، فرحة بالهداية يوم ضلت فئات من البشر عن صراط الله المستقيم، يجمع العيدُ المسلم بإخوانه المسلمين، فيحس بعمق انتمائه لهذه الأمة ولهذا الدين، فيفرح بفضل الله الذي هداه يوم ضل غيره «وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
إنَّ للعيد فرحة خاصة وإن كان طعمه كل عام يحمل نكهة خاصة كنكهات السنين والأيام ذات الطابع الخاص، وأعتقد أنَّ السنين في عجرفتها المتسارعة أبت إلا أن يكون لأيامها حالات خاصة كي تصبح أكثر ذات اعتبار، وها قد جاء عيدك الإسلامي الأول أيها العام المشحون بالتقلبات على صعيد العالم سريعًا بعد أيام طويله مليئة بالترقب وانتظار الأحداث التي عصفت بالعالم الإسلامي والعربي وكان لنا أخوة يعيشون رعبًا وحربًا وعطشًا ومجاعة.. حامدين ربنا حمدًا كثيرًا أنه تعالاه خصنا بنعم كثيرة وأفضال عظيمة عن سائر خلقه، في العيد فرحة، وإن أعظمها كما رأيت في نفسي أن نتشاطر هذه اللحظات مع الأخوان أصحاب العازة والضعف، وقد لامست ذلك بوضوح في تجولي في أحد المولات التجارية، فالمؤسسات الخيرية أخذت طريقها الدائم نحو المبادرة في طرح الأفكار المتنوعة كي نساهم في مساعدة أشقائنا المكروبين في الشرق والغرب، متشاطرين فرحة العيد كي تصبح لنا ولهم فرحة «أكبر».
عزيزي القارئ، في كل عيد نجد أن حجم المكاسب يفوق حجم الخسائر، وتلك نظرة ايمانية نحو الغد المشرق، وحسن ظن بالله العلي القادر على كل شيء، فالعيد صورة من صور العبادة لله تعالى، والفرحة التي نعيشها فيه إنما تنطلق من سياج العبودية العظيم، والفرح حقيقة هو الفرح في ظل هذا السياج العظيم، وها هو العيد يعود مرة أخرى، ها هو يطل على الأمة من جديد، ها هو يكسو المسلم اليوم فرحة عظيمة يجدها بين جوانحه، ويعبر عنها في هذا اليوم المجيد الذي أقبل وهو يلبس ثوب الفرح، أقبل يخالج القلوب، ويعيش في وهج المشاعر، أقبل بأهازيج رائعة بعد أن خلّف شهر رمضان في طيات الزمن، ففي العيد معانٍ نستلهمها في صباحه المشرق، فنعيد بها مراسم حياتنا، ونحن نفرح به ونشعر بوهج الفرحة يخالج قلوبنا، فهنيئًا لكم العيد يا أهل العيد، وأدام الله عليكم أيام الفرح، وسقاكم سلسبيل الحب والإخاء.

كُلَّ عام وأنتم بخير أيها الأصدقاء القراء.
إعلامية وباحثة أكاديمية
جامعة قطر
بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي