كتاب وأراء

الأغنية الوطنية بنكهة قطرية

هناك وقت للتسلية، وهناك وقت للتضحية، وبينهما تَقِفُ أنتَ على جسرٍ لا يَؤول للسقوط مهما شبكوا حوله مِنْ خيوط.
إنها خيوط المؤامَرة للإيقاع بالوطن.. ولِكُلّ إنسانٍ روح ثانية بها يَعيش، ورئة ثالثة بها يَتنفس. الروحُ والرئةُ وطنُكَ، وطنُكَ ذاك الحبل المتين الذي أنتَ به لا تَستهين.
عامٌ مِن الحِصار لم تُراعَ فيه قواعدُ الجِوار..
عامٌ مِن الحصار: كانت الواقعةُ، وكان الدرسُ.
لكن أكثرَ عِبرةٍ تَتَصَبَّبُ حِكمةً هي تلكَ التي عَلَّمَها الْمُحاصَرُ لِلْمُحاصِر، إنها التفافُ الرَّعِية حول الراعي نُصْرَةً لِعَمود النور الذي لا مجال بِحال لِتُبصِرَ أنتَ طريقَكَ بعيدا عنه.. إنه الوطنُ.
تجربةُ صمود قطر تجربةٌ رائدة في مجال التنمية الوطنية، وترسيخ الحِسّ الوطني، وإرساء دعائم الْمُواطَنَة الصالحة كإحساس وحَجَر أساس، لكن الصمودَ تَأَسَّسَ على أكثر مِنْ ركيزة.
ولا غرابة أنْ كان مِنْ بين الوسائل التي ثَمَّنَت المسؤوليةَ الوطنية ومهَّدَتْ للصمود الأغنيةُ الوطنيةُ.
قَد يَتساءل سائل: هل كانت الأغنية القطرية التي تزامَنَتْ مع مرحلة الحصار قد اتَّخَذَتْ لها حَيِّزاً لسبب واحد لا يَخْرُجُ عن الرد على مَن بادروا بتوجيه أصابع الاتهام مِمَّنْ يُطَبِّلُونَ لكل مَن يَدفَع، بعيدا عن اتخاذ مَوقف يُحْسَبُ على تاريخهم، هم الذين لا قضية تَشْغَلُهُم غير الهوس بِحَلْبِ المال والهذيان بِشُهرة مُزَيَّفَة تَأْخُذُ منهم أكثرَ مما تُعْطِيهم؟!
لكن بعيدا عن أيّ تَخْمِين، يَكْفينا اليقين، ولسانُ اليقين يَقول إنَّ وظيفةَ الأغنية تتجاوز هذا، فالأغنية مِثلها مثل أيِّ قالَب إبداعي تَأتي إنصافا للشعب والتاريخ، وتُعَبِّرُ عن موقف وتُدَافِعُ عن قضية..
ولا شك في أنَّ العَيْنَ الرائية بِتَأَمُّلٍ ستَجِدُ أنَّ مِنْ مُقَوِّمات خِطاب الأغنية الْمَيل إلى التبسيط على مستوى الكلمات، لماذا؟! لأنها تَنْوِي مُخاطَبَةَ أكبر قَدْرٍ مِمَّنْ يُثْبِتونَ مع الوقت أنهم يُجِيدُونَ التَّلَقِّي والإنصات.
غير أن هذا لا يَعني مطلقا أنَّ الأغنيةَ تُصْنَعُ كما اتفق، فالأغنيةُ مسؤولة عن تَمْرِير رسالة أو أكثر، مسؤولة عن صناعة رأي، مسؤولة عن إعادة الاعتبار إلى ذَوْقٍ تَسَلَّلَ إليه الفَساد أو كاد.
وإذا وَقَفْنَا عند نماذج مِن الأغنية القطرية الْمُصَنَّفة في خانة الكفاح الوطني، سنَجِدُ أن القائمين على أمرها أَجَادُوا انتقاءَ الكلمات التي تَفْتَحُ بابَ القلب دون استئذان، أولا لأنها تُوقِظُ في الْمُنْصِت الهِمَّةَ، وثانيا لأنها تُذِيبُكَ رِقَّةً وتَجْعَلُكَ بشكل لاإرادي تَضَعُ يَدَكَ على قلبِكَ لِتَهْتِفَ بِاسْمِ الوطن الذي بِدُونِه أنتَ لا تُساوي شيئا، بِدُونِه لَسْتَ أكثر مِنْ نَكِرَة.
بالتالي، فالرِّقَّةُ مفتاحٌ يُجِيدُ فَتْحَ غرفة القلب، والكلمةُ الناعمةُ تُدَغْدِغُ الأُذُنَ الحالِمَةَ بِرَبْط جُسور التواصُل مع هذا الأَب الحَنُون الذي يُسَمَّى الوطن، نَعَم، صَدِّقْ يا صَدِيقي، الوَطَنُ هو أيضا الأرض والسماء وسِرْبُ الهواء الذي يَشْتَهِي صَدْرَكَ جَنَّة، الوطنُ هو السَّقْفُ والجدران والفِراش والفَراشُ الذي يَقِفُ فوق كتفِكَ مَزْهُوا زَهْوَكَ وأنتَ واقف عند ربوة أو خميلة مِنْ روائع وطنِكَ الغالي، وطنك الجنَّة.
ما يَسْرِي على بِناء الكَلِمَة يَسْرِي بالْمِثْل على بِنَاء اللحن. وهُنَا لا يَختلف اثنان في أن القطريَّ ارْتَشَفَ مِنَ اللحن فنجانا بِنَكْهَة القهوة العربية، فقد شَهِدَ مِنَ اللحن الذي يُغَلِّفُ الأغنيةَ الوطنية ما يُخاطِبُ وِجْدانَ الْمُواطِن القطري فيُثَمِّنه ميزانُ الإحساس الذي لا يُخْطِئُه ذَوْقُ الناس.
«مُحاصَر» أغنيةٌ رقيقة تُذِيبُكَ على صفيح الْمَشاعِر الساخنة تِلكَ التي تَنْبض باسم حُبِّ الوطن، لماذا؟! لِرِقَّةِ القالَب الموسيقي الذي أُفْرِغَ فيه محتواها، إنه اللحن الذي حَمَلَ توقيعَ مطر علي الكواري:
إيش اللي صار؟!
عايش وطننا في حصار
وين الجوار؟! وين الحوار؟!
جاري أنا
في يوم جار
أنا وانته
قلوب سته
وفي خمسة سته
إيش اللي صار؟!
البرّ فجأه حاصروه
والبحر بحري قيَّدوه
والجو جوي اخنقوه
حتى التعاطف امنعوه
وين المروة؟!
وين الأخوة؟!
معقولة أخ ياكل أخوه!
هذا اللي صار
بكل اختصار
شعب وبكل إرادة
يرفض وصاية وانكسار [مُحاصَر، لحن: مطر علي الكواري].
مطر علي الكواري يُناضِل بسيف الموسيقى، وهي خطوة ذكية مِنْ أهل الاختصاص، لأن مِن عُلُوّ كعب الذكاء أن نَنْتَبِهَ إلى أنَّ الموسيقى في زَمَنِنا تَنْجَح في جمع مَنْ فَرَّقَتْهُم اللغاتُ، هي لُغَةٌ لا تَحتاج إلى قاموس ولا إلى بَوْصَلَةِ تحديدِ اتِّجَاهِ، لأنها ببساطة تَقْتَحِمُكَ وتُحَرِّكُ أَقْصى خلية في خريطة وِجْدانِكَ.
في زمن الحصار بَزَغَ نَجْمُ جِيل جديد مِن كُتَّاب الكلمات وسِواهُم مِنَ الملحِّنين أو الْمُؤَدِّين على شاكلة فهد الكبيسي وفهد الحجاجي وغيرهما مِنْ طُلاَّب رَفْع الحصار، لكنهم تَوَسَّلُوا صواريخَ موسيقية ورَصاصَ الكلمات التي أَحْسَنَتْ تَسْدِيدَها الأغنيةُ الوطنيةُ الملتزِمَةُ بالقضية.
كلماتٌ تَرْفَعُكَ تِلْكَ التي تَعِدُ بها الأغنيةُ الوطنية، وأَصْوَاتٌ تَطِيرُ بِكَ إلى قلعة الشُّموخ، ولَحْنٌ شَفيفٌ يَحْمِلُ الأُذُنَ الموسيقيةَ على بِساط النَّشْوَة حدّ استنهاض العزائم وتفجير الطاقة الخلاَّقة الآمِرَة بالوَلاء لِكَعْبَةِ الوطن التي لا يُرَدُّ لها نِداء، ولا شيء بِكَثير على أُمِّهِم قطر.
الأغنيةُ الوطنيةُ في قطر انتصارٌ باقتدار على صُنَّاعِ الحصار. وعلى ذِكر الأغنية، صادَتْني مُيولي الشِّعرية، فلم أَقْوَ على مُقاومَة كلماتٍ بَلَّلَتْنِي لَحْظَةَ إلهامٍ، وأَبَيْتُ إلا أنْ أُعَبِّئَها في قارورةِ شِعْرٍ سَمَّيْتُها «عَيِّدِي واخْلُدِي يا قطر»، هِيَ ذِي:
أَلاَ صُبَّ لِي وَاسْقِنِي يَا نَدِيمُ
وَقُلْ لِي مِنَ الْقَوْلِ مَا يَسْتَقِيمُ،
وَهَبْ لِي مِنَ النُّورِ كَأْساً تَطِيبُ
إِذَا مَا سَقَانِي الزَّمَانُ اللَّئِيمُ،
رَأَيْتُ الْمَرَايَا تُكَذِّبُ وَجْهِي
وَتَكْتُبُ عَنِّي بِأَنِّي دَمِيمُ،
أَخِي يَا أَخِي مَا الَّذِي حَالَ بَيْنِي
وَبَيْنَكَ مُذْ مَاتَ قَلْبٌ رَحِيمُ؟
يُحَدِّثُنِي الدَّهْرُ أَنَّكَ خُنْتَ
وَيَسْأَلُ عَنِّي الضَّمِيرُ السَّلِيمُ،
وَعَذْبُ الْكُؤُوسِ يُدَاوِي الْفُؤَادَ
وَشَرُّ النُّفُوسِ الْكَذُوبُ الْخَصِيمُ،
بَنَيْتُ بِوَعْيِي صُرُوحاً وَرُوحاً
رَعَاهَا الْمُوَاطِنُ، حَتَّى الْمُقِيمُ،
سَيُزْهِرُ فِي أَرْضِنَا الْيَاسَمِينُ
كَمَا الأُقْحُوان، وسَوْفَ نَهِيمُ
بِرَشْفِ الْوَفَاءِ وَحُبٍّ صَدُوقٍ
بِهَذَا يَهُونُ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ،
هُنَالِكَ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ لَيْلاً
وَصَفَّقَ لِلْمَجْدِ شَعْبٌ حَكِيمُ،
أَيَا قَطَرِيُّ، لَكَ الْعِزُّ، صَبْراً
فَفَوْقَكَ رَبٌّ مُجِيبٌ كَرِيمُ،

[شِعر: عَيِّدِي واخْلُدِي يا قطر].

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير