كتاب وأراء

الـحـنـيـن إلـى الـزمـن الـجـمـيـل

رحل عنا شـهر رمضان المبارك، واستقبلنا زائراً سنوياً آخر ينتظره الجميع بلهفة هو عيد الفطر المبارك، أعاد الـلـه المناسبتين على الجميع بالخير والبركة. ولعلنا من المصابين بمرض الحنين إلى الزمـن الجميـل. ينطبق هـذا عـلى رمضان، كما ينطبـق عـلى أي أمر آخر، من الأدب والثـقافة إلى الفـن والموسـيقى والغـناء، إلى العادات ولحـمة نسيج المجتمع. وليس هـذا مقصوراً عـلينا، بل تصاب به شعوب الأرض كلها بدرجات متفاوتة، بلغـنا ذروتها لأن حاضرنا سيئ بشكل لا يفسح مجالاً لأي تفاؤل بقدوم الأفضل.
نترك رمضان الآن ونتحدث عن العيد، وهنا أتبنى تماماً مرض الحنيـن إلى الزمن الجميل، فـما عاد في العيد ما يفرح، سـوى الفرحة الأولى كما قال رسول الـلـه صلى الـلـه عليه وسـلم «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه»، أما الثانية فنرجوها يوم الحساب العظيم، بين يدي خالق كريم.
اسألوا عن فرح العيد من هم أكبر سناً، ممن لم يعيشوا زمن الوفرة في كل شيء، إلا في العواطف والمشاعر، على الرغم من قلة ما كان لديهم، اسألوهم عن الفرح بالثياب الجديدة التي لا تـأتي إلا مع العيد، وكيـف كنا ننام وقد وضعناها بجانبنا كأن أحداً قد يسـرقهـا، عن الطعام الفاخـر الذي ربمـا لا نذوقـه إلا في الأعـياد، عن الحـلـوى التي تـتوفر بكثرة في العيد، على بسـاطتها وقلة تـنوعها، عن الألعاب ووسـائل المرح والترفيه والتسلية التي تبدو الآن مضحكة في تخلفها. أما الكبار فلا فرحة لهم، فبماذا سيفرح أطفال اليوم؟
تتوفر الملابس في خـزانة كل طفل حتى لا يعـود لأي جديد بهجة، بل قد يكبر فتضيق الملابس قبل أن يرتديها، الطعام الفاخر في البيت أو غيره متوفر بكثرة طوال العام، وكذلك الحلوى، لدى كل طفل من الألعـاب ما يكفي لافتـتاح محل صغير، يلهـو الأطـفال طوال العام بالألعاب الإلكترونية، فما الذي سيشـدهم الآن؟ كانت السـينما شيئاً خيالياً، ولم نكن قد رأينا التليفزيون، أما المسـرح فربما سمع به بعضنا.
كان الأبناء الذين استقلوا في بيوتهم يزور صغـيرهم الأكبر منـه، ثم يزوران معاً الأكبر وهـكذا، حتى يصل الجـميع إلى بيت الوالـد، فيتجـمع الأبناء والأحفاد، ويكثر الضجـيج، ولكنه ضجيـج الفـرح. يقوم كل «رأس أسـرة» بصحبة أبنائه بزيارة الأسـر الأخرى، وهـكذا يتم التواصل الاجـتماعي. الحياة أبسط وأفقر، ولكن الهموم أقل، والقلوب عامرة بالإيمان والمحبة.
ماذا بقي الآن؟ رسـائل نصية، وأحياناً مكالمات هاتـفية، نعيش في المدينة نـفسـها وكأن بيننا محـيـطات. أعـرف أنني أحبطتكـم، ولكني حزيـن، ومع ذلـك أبارك لكم جـميعاً قـدوم العـيد، وهنيئاً لمن كان أحبابه قريبين.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين