كتاب وأراء

رمال متحركة بالْحُبّ

أن يَحكمَ عليك القانونُ بالإعدام أَرْحَمُ من أن يَحكمَ عليك المحيطُ بالإعاقة! كُنْ جميلا كما شاء لك مولاكَ، لكنكَ لن تَخرجَ عن نملةٍ حقيرة تَدِبُّ بين مَنْ تُساوي أنتَ في عيونهم صفرا على اليسار. إنه منتهى الجنون على مدارِ كوكبٍ نال حَقَّه مِنَ الصَّدَإِ تحت وَطْأَةِ القَذَارة.
القذارةُ في كُلّ مكان.. والحقارةُ نَصيبُ الباحثِ عن معنى الإنسان في زمن يُمَجِّدُ الطغيان.. وأنا وأنتَ يا نِصْفَ الرغيف الحافي نَخْتَالُ مَرِحَيْنِ تحت سماء الْحُلْم: حُلمكَ بقطعة جُبْن بيضاء مُمَدَّدة على ظهركَ حَقَّقْتُه لكَ فأعادَ سخونةَ طعم الحياة إلى جسدكَ، وحُلمي بأصابعَ مُتَفَنِّنَة تَكْتُبُني قصيدةَ حُبٍّ في كِتابِ حياةٍ خانَتْها العباراتُ لا العَبرات.
العَبراتُ الشجية تَدْفَعُها العيون الشقية فَرَحاً برحلةٍ في ميدان تَتَحَرَّرُ فيه اللُّقْمَةُ، وبالْمِثل تَتَحَرَّرُ ربطةُ النعناع «المانتي» الراقصة قُبَالَتَها حقيبتان بلون الليل تَتَدَلَّيان لِتُوَازِيَ ظِلَّ كُلّ منهما قدمان هائمتان في استكشاف هامشٍ ليس للسلام.
السلامُ الذي يَحلم به هاربٌ مِنْ ذاكرةِ الوقت الكافر بِدِينِ طُموحٍ يَقودُ إلى مُدُن الْمَجْدِ والعِزَّة هو النص الغائب عن حياة الْمُعَذَّبين الذين يَجْدِفُون في أكثر الوقت مغمورين بأمواج السنين تلك التي يَغيبُ فيها نصيبي ونصيبُكَ مِنْ «طاجين» الحَظّ، بينما تَجِدُنا أنا وأنتَ نُوَزِّعُ كعكةَ الابتسامة على الجميع دون استثناء، ونَمدُّ الخُطَى إلى رمالٍ مُتَحَرِّكَة بالْحُبّ، تلك الرمال التي تَسْتَدْرِجُنا إلى شاطئ ليس للدموع إنما هو للشموع التي تُضِيءُ في غَيْر مواسم الظلام.
الظلام ما عُدْنَا في حاجةٍ إلى أن نَلْعَنَه، لأن الظُّلْمَ هو الأَحَقّ باللعنة: ظُلم المؤسسات الأمَّارة بِلَجْمِ لسانِكَ ويَدَيْكَ، ظُلم المجتمع الحالِف ألاَّ تَعودَ إليه ما لم يَقِفْ طموحُكَ دون ما حَدَّدَه لكَ مِنْ صلاحيات تَتَّفِقُ مع الإرادة الذكُّورية ولا تَتَجَاوزُها، ظُلم القبيلة التي لا مجالَ فيها بحال لِتُقَلِّدَ أنتَ الغراب في عيونها مشيةَ الطاووس كما يُصَوِّرُ لكَ عقلُكَ يا مَنْ كاد يَطِيرُ عَقْلُكَ.
عَقْلُكَ دَاوِه بِعَقاقير الصَّمت على الْمَهْزَلَة، مَهْزَلَة وجودكَ، وأكثر من هذا يا مِسكين، جَرِّبْ كُلَّ وقتٍ وحين أن تَسْتَحْضِرَ تاريخَ النعامة الْمُشَرِّف لِرَغْبَتِكَ المحمومة في البَحث عن التَّواري وادْفِنْ نَفْسَك في الأرض، ومِنْ ثمة اكْذِبْ على نَفْسِكَ وصَدِّقْ أنَّ ما مِنْ أحد يَراكَ بمَن فيهم أنتَ نَفْسكَ.
نفسُكَ تَتَلَوَّى تحتَ قُبَّةِ التَّعب، وعَيْنُك الزاهدة في رؤية الحياةِ لا حَيَاةَ لِمَنْ يَراها بِعَيْنِ الأَسَى والشفقة. حِذَاؤُكَ اليقينُ في أنَّ «غداً لِنَاظِرِهِ قريب» وأنَّ للناس رَبَّ الناس، وأنَّ العدالةَ الإلهيةَ أقوى مِنْ أيِّ ضربةِ سِكِّين لا تُنْصِفُكَ بها محكمةُ الزمن.
نافِذَةُ الرُّوح:
«مقصُّ القسوةِ يَجْنِي على رِقَّةِ خيوطِ الإحساس».
«يَجْلِدُكَ الحُبُّ عندما تَجِدُكَ مُعَلَّقاً بِقُلوب لا تَسْتَحِقّ».
«مُرٌّ، مُرٌّ يا فنجانَ الوَحشةِ.. ولا قِطعة سُكَّر واحدة تُذْكَر».
«أُرَبِّي الإحساسَ.. أُرَبِّي الصَّبْرَ.. وأُرَبِّي الصَّمْتَ».
«مكانَ كُلِّ شوكةٍ زَرَعْتُ وَردةً يَشْهَدُ عليها جُرْحٌ».
«سنابل الحنين أَسْقِيها بِدُموعٍ قَلَّمَا يَجودُ بها الزمنُ، فَمَتَى يَحينُ مَوْسِمُ الحصاد؟!».
«كَمْ مَرَّة سَأَقولُ للحقيقة: اكْذِبي، اكْذِبي عَلَيَّ مَرَّة واحدة لِأُجَرِّبَ أَلاَّ أُصَدِّقَكِ».

بقلم:د. سعاد دَرير

سعاد درير