كتاب وأراء

لماذا تنازل المنتخب التونسي عن مكونات «إرادة الحياة» التي ورثها من «أبوالقاسم الشابي»؟

مباراة تونس وبلجيكا من منظور «ابن خلدون»

مباراة تونس وبلجيكا من منظور «ابن خلدون»

لا أعرف من أين أبدأ الكتابة عن هزيمة تونس الثقيلة، المحبطة «برشا برشا»، أمام بلجيكا في «المونديال الروسي»، بعدما تلقى منتخبها خماسية مريرة، في ليلة حزينة، لم تكن بأي حال من الأحوال بطعم الشوكولاتة البلجيكية!
لكن مـــا أعرفـــــه أن المنتــخب التونــــسي، الذي يحـــمل جيـــــنات طارق ذيــــــاب وعلي الكعبي ومخــــتار غميض، وعقــيد، وكلهم نجــــوم ذلك الجيل الذهــــبي، الفائز بثلاثـــية على المكـــسيك في بـــطولة كأس العالم بالأرجنتيـــــــن عام 1978، اشتــــهر دوماً بـــصلابــــــة دفـــــاعـــه، ومن الــــنادر أن يخســــر بثــــلاثة أهــــداف، فما بالك عندما تكون خسارته بخماسية ثقيلة؟!
.. ولأنني لا أنوي من خلال كــــتابة هذه الكلمـــات، إعادة اكتشاف المكشوف، أو التعبير خــــــارج المألــــوف، بهدف ربــــط السوابق باللواحق، لتأكيد المؤكد، أو تثبيت الثابت، فقد أثبتت نتائج المنتخبات العربية المشاركة في بطولة كأس العالم، الدائرة حاليا في روسيـــــــا، أن هنـــاك ســـنة ضوئية تفــصل بينها، وبين نظيرتها العالمية، حيث الفوارق الفنية لا مقارنة بينـــــها، والتكتيكيـــة لا حدود لها، بين اللاعبــــين الـــعرب، والممارسين لكرة القدم الاحترافية في الغرب!
.. وحتى في مجال الإدارة الرياضية، نجد الفارق يعادل الفوارق بين الثرى والـــــثريا، وهذا ما يعكسه الأسلوب المثير للجدل، الذي يتبعــــه المدعـــو تركــــــــــي آل الشــــيخ، رئيـــس مـــا يــسمى الاتحاد العربي لكرة القدم، القائم على التهريج والمستند إلى التهييج، وبين الانضباط المرتكز على احترام الضوابط، المتمثل في شخصية الكسندر تشيفرين رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
.. وفي الوقت الذي لم تعد فيه كرة القدم مجرّد لعبة, يسعى أصحابها لتحقيق الفوز أو الانتصار، لكنها أصبحت صناعة تعتمد على الابتكار والاستثمار، نجد أن «بني عارب» ما زالوا يمارسونها في إطار «التخبيط»، بعيدا عن أبسط مقومات التخطيط!
.. وعلى أساس هذه الحقيقة العلمية، لم يعد متاحا ولا مهيأ لأي منتخب عربي، بلوغ الدور التالي من منافسات كأس العالم الدائرة حاليا في روسيا، أو غيرها، إلا في حال وقوع معجزة، في زمن لا تتحقق فيه المعجزات، خاصة مع حالة العجز الكلي التي ظهرت عليها المنتخبات العربية.
.. وآخرها منتخب تونس، الذي علقنا عليه آمالا كبيرة، استنادا إلى «إرادة الحياة»، التي تتميز بها الشخصية التونسية، المتجسدة في قصائد وأشعار شاعرها المبدع أبوالقاسم الشابي.
.. ولعل اختيار أبيات من قــــصيدته الأشـــــهر، لتـــكون نواة النشيد الوطني التونسي، يعكس المكانة التي يحتلها شاعر تونس الكبير في الذاكرة الوطنية، رغم صغر عمره عند وفاته، في التاسع من أكتوبر عام 1934، عن عمر ناهز (25) عاما، بعدما أسس في قوافي قصائده، تطبيقات الإرادة الشعبية القوية، التي تربى عليها جيل من الوطنيين العرب، على مدى العقود الماضية، ليس في تونس وحدها، بل في سائر الأقطار العربية.
.. ورغم أن أبرز ما يميز شاعر تونــــــس رفضـــه الانهــــــزام أو الاستسلام للآخر، كما يقول في هذا البيت:
«سأعيــــش رغــم الــداء والأعــداء ...
كـــالنــسر فـــوق القـــمــــة الشــــماء»
لكن «نسور قرطاج», وهو المسمى المشفر لمنتخب تونس، أثبتوا في مباراتهم مع بلجيكا، أنهم يعانون من داء بلا دواء، تسبب في الهزيمة النكراء، التي تعرض لها منتخبهم «العليل المعلول»، بسبب التكتيك الفاشل لمدربهم نبيل معلول، الذي لم يعرف كيفية وضع الحلول، للحد من خطورة المنتخب البلجيكي، الذي أصابتنا خماسيته بالذهول!
.. والمؤسف أن أولئك «النسور» تحولوا إلى مجرّد طيور وديعة، تملك «الجوانح»، لكنها لا تنتمي إلى «الجوارح»!
.. وهذا ما سهل صيدها، ووقوعها في الشباك البلجيكية، لتتلقى أكبر هزيمة للمنتخب التونسي، في تاريخ مشاركاته الخمس في المونديال!
.. وبعد وقوع هذه الكارثة الخماسية، لا أملك مع غيري من المشجعين العرب، المحبين لمنتخب تونس، المتابعين لإنجازاته الكروية، التي حققها في العهود السابقة، سوى القول «الله غالب»!
أقولها كما يقولها أهلنا «التوانسة»، عند وقوع أي حدث، يفوق قدرتهم على صده أو رده، حيث الله عز وجل وحده هـــو الغالب، ولا غالب إلا سبحانه جلّت قدرته.
.. ورغم أن الله عز وجل هو الغالب دوماً، لكن في كرة القدم لا بد من التخطيط السليم لتحقيق الفوز، وهذا ما فعله منتخب بلجيكا المرصع بنجوم الدوري الإنجليزي، في مقدمتهم أدين هازارد نجم تشيلسي، وكيفين دي برويــــــن نجم مانشستر سيتي، وروميلو لوكاكو هداف مانشستر يونايتد، الذي تمكن من هزيمة نظيــــــره التونســـي بمنتـــهى الســـهولة، وبنتيجة ثقيلة «برشا برشا»، وصلت إلى «5» أهداف، كان يمكن زيادة غلتها!
.. ولعل التفسير الوحيد لغزارة الأهداف البلجيكية، التي أصابت الشباك التونسية، هو إيمان منتخب بلجيكا بقوة إرادة اللاعبين، وقيمتها، وقيمها المستمدة من الإرادة القوية، التي لا حواجز تقف أمامها، ولا موانع، ولا عوائق، ولا أي قوة تستطيع إجهاضها، عندما تريد التعبير عن ذاتها.
.. وهذه الإرادة جسدها أبو القاسم الشابي، في قصيدته الشهيرة «إرادة الحياة»، التي طبقت شهرتها الآفاق، حيث لم تحظ غيرها، بمثلما حظيت به تلك القصيدة من شهرة، باستثناء شهرة شاعرها الشهير.
.. ورغم أن الكثير من قصائد الشابي استقرت في ذاكرة الناس، وأصبحت محفزاً من محفزات الحكمة الشعبية التونسية، والعربية، لكن قصيدته الشهيرة تحوّلت إلى أيقونة وطنية، بالنسبة للتونسيين، وبالتحديد مطلعها الذي يقول فيه:
«إذا الــــشعب يــــومـــــاً أراد الـــحيــــاة ...
فــــلا بــد أن يستجـــب القــــــدر»
لكن ذلك القدر لم يستجب لما أراده المنتخب التونسي، وجمهور مشجعيه - وأنا أحدهم - بل على عكس ذلك، وقع ذلك المنتخب العربي في هاوية الخطر، بعد ما استجابت الأقدار لإرادة «أدين هازارد»، وزملائـــــه الذيـــن نجـــــحوا في إحراز خماسية تاريخية، في مرمى منتخب تونس!
.. والمؤسف أن المنتخب التونسي الذي اشتهر بالفاعلية وعرف بالحيوية، لم يكن حياً في مباراته مع بلجيكا، حيث أصيب مبكراً بأعراض الموت البطيء، منذ الدقيقة السادسة، عندما تلقى هدفاً من ضربة جزاء أحرزها «هارازد».
.. وفي الوقت الذي كان مفروضا أن يطبق لاعبو تونس مضمون قصيدة «إرادة الحياة»، وتشغيل محركاتها، وتحريك محفزاتها، فوجئنا أن منافسيهم لاعبي بلجيكا يطبقون ما جاء في «مقدمة ابن خلدون» المولود في تونس عام 1339.
.. وانطلاقاً من مضمون «المقدمة الخلدونية» نسبة إلى كاتبها، الذي تناول فيها أحوال البشر، واختلاف طبائعهم، والبيئة المحيطة بهم، وأثرها عليهم، حرص منتخب بلجيكا على التعامل الفعال مع منافسه العربي، القادم من الشمال الإفريقي.
.. ولأن كـــــــل من يــــزور العاصمــــة التونـسية، وبالتحديد شارعهـــا الرئيــــسي، المســـمى على اسم رئيـــسها الأســبق «الحبــــــيــــب بورقيبـــة»، لا بـــــد أن يتــــوقــــــف عنـــد ذلـــك التمثال العملاق، لعملاق علم الاجتـــــماع على مرّ العـــصور، عبدالرحمن بن محمد ابن خلدون، (1332 - 1406)، فقد حرص لاعبو منتخب بلجيكا، وهم يطرقون أبواب نظيرهم التونسي، على التوقف عند ذلك التمثال، الذي يمسك صاحبه بين يديه كتابه الشهير المسمى «المقدمة الخلدونية».
.. ولأن الأفكار التي كتبها «ابن خلدون» في مقدمته تصلح مضامينها للتطبيق, حتى في المجال الرياضي، فقد سعى زملاء «هازارد» إلى زيارة الدار العتيقة، التي سكنها أشهر مؤسس لفلسفة علم الاجتماع، في كل الأزمنة, وكل البلاد، وكل الشعوب، تقديراً لدوره العميق في إثراء الحضارة البشرية.
هناك في المدينة القديمة، بوسط العاصمة تونس، على بعد أمتار معدودة من جامع الزيتونة، وبالتحديد في منطقة تسمى «تربه الباي»، توقف لاعبو بلجيكا بين شوطي مباراتهم مع تونس، لالتقاط الصور التذكارية في رحاب دار «ابن خلدون»!
.. ولو طبقنا «المقدمة الخلدونية» على المواجهة الكروية، التي دارت بين المنتخــــب البلجيـــكي ونظيـــره التـــونسي، سنجد أن المباراة تحولت إلى نزهة سياحية لذلك الفريق الأوروبي، وكأنهم يتجولون في مدينة «الحمامات» الساحلية، الواقعة عـــلى البحر المتوسط، هناك في الشــــمال الشــــــرقي التونسي، حيث الساحل برماله البيضاء، وحيث البحر بمياهه الزرقاء!
هناك حيث تربض واحدة مــــن أجمل القلاع التونسية، نجح لاعبو بلجيكا في اختراق دفاعات قلعة «القصبة»، التي يعود بناؤها إلى القرن الخامس عشر، وتتمتع بإطلالة ساحرة على ساحل البحر، حيث المياه الفيروزية، والأمواج التركوازية!
هناك في أشهر الوجهات السياحية الجاذبة في تونس، التي تشتهر بطرازها المعماري العريق، وطابعها العتيق، نجح زملاء «هازارد» في تجاوز الأزقة الضيقة، والممرات المتعرجة، والأسواق القديمة، والبيوت البيضاء الممتدة، ذات الأبواب والنوافذ الزرقاء!
هناك تجول «لوكاكو» في دفاعات المنتخب التونسي كما يشاء، وقتما شاء، محرزاً هدفين من أهداف فريقه الخمسة، واضعاً على طــــــــرف أذنــــه بـــاقة من زهــــور الياســـمين، المتجذرة في التقاليد التونسية، المرتبطة بتراث البلاد وثقافتها!
.. ولكون ذلك «المشموم التونسي» يحظى بشهرة عالمية واسعة، فقد حرص «أدين هازارد» أيضاً وهــــو يطرق أبواب المرمى، محرزاً هدفه الثاني، على وضع باقة من تلك الزهور الناصعة البياض، ذات السحر الأخّاذ، والرائحة العبقة، التي تحمل اسم «أمي»، وأقصد زهرة الياسمين.
هناك في مدينة «الحمامات» أو غيرها من المـــدن التونســـية، لا تكتمل أمسيات الصيف، دون استنشاق عبق الياسمين، الذي يمثل عنوان الأصالة ورمز العراقة وأساس الأناقة.
هناك في تلك المدينة الساحلية، التي تجتمع فيها رائحة الزهر، وزرقة البحر، وقصائد الشعر، ترتسم لوحة طبيعية رائعة، حيث لا تكاد تمر بمكان عام، إلا وتجد باعة«المشموم التونسي» يتجولون، حاملين باقات زهورهم بين الشواطئ والمقاهي والأماكن العامة.
.. وخارج إطار هذه الجولات، كان لاعب الوسط البلجيكي الخطير «كيفـــــين دي بـــــرويــــن» يتجول ذهـــــاباً وإيــــاباً، فـــــي أروقة المنتخب التونسي، واضعاً «الشاشية» فوق رأسه، بلونها الأحمر القاني أو القرمزي، مرتدياً معها الثوب التقليدي الفضفاض، المسمى «الجبة»، وهو اللباس الرجالي الأشهر في تـــــونس، المصنوع من الحرير، ويسمونه «الــــقرمــسود» الذي يعتبر عنوان الذوق الرفيع.
في حين كان زميله «كورتوا» حارس مرمى بلجيكا، جالساً في مرماه، يحتسي رشفات من الشاي بالنعناع، مستمتعاً بتناول «المقروض» التونسي، وتشكيلة من حلويات «كعب الغزال» و«كعك الورقة» المحـــــشي بأجـــــود أنواع اللـــــوز، وهــو يرتـــدي «جــــــبة المقـــردش»، المنسوجة مـــن الحـــــرير الطبــــيعي، على النول التقليدي، غير مهتم بدخول هدفين في مرماه، أحـــرزهما «ديلان برون» في منتصف الشوط الأول، و«الخرزي» عندما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة!
.. ووسط هذا الاستعراض البلجيكي كان المنتخب التونسي مشغولاً خلال شوطي المباراة بصناعة «الزربية القيروانية»، التي تمثل ركناً من أركان الصناعات التقليدية التونسية!
.. ولهـــــذا كـــــــان هــــــدف منتـــــخب بلـــــجيكا خـــــلال المبــــــاراة ليس الفوز بنقاطها الثلاث فحسب، بل كانت أولوية أولوياته اكتشاف أسرار صناعة تلك «الزربية» الشهيرة، والوصول إلى طلاسم «غرزتها»، التي تشكل أساس صناعتها وسمعتها، وبالتحديد «العلوشة»، ذات الأشكال الهندسية، الفريدة، التي كلما زاد عمرها، زادت قيمتها!
.. وانطـــــلاقـــــاً من القيـــــمة الحضــــارية، الــــنابعـــــة مــــــن «مقدمة ابن خلدون»، أستطيع القول إن المنتخبات الكروية المشاركة في مونديال روسيا تشبه كل الكائنات الحية، حيث تنشأ صغيرة ثم تكبر، وتبلغ أوجها ذات يوم، قبل أن تبدأ بالانحسار، بعد سنوات من الازدهار.
.. وهذا ما حدث لمنتخب تونـس، الذي استطاع يوماً في بطولة كأس العالم بالأرجنتين التعادل السلبي مع منتخب ألمانيا، أيام حارسه العملاق سيب ماير، ليأتي بعد عقود منتخب بلجيكا، الأكثــــــر قـــوة وفتــــوة، ويستـــلم زمام الأمور في مجموعته، ويحلّق في الصدارة.
.. وهــــــذا هــــو واقـــــع المنتـــــخب البلجـــــيكي حاليـــــاً، عــــــلى خريطة الكرة العالمية، بعدما كان قبل (4) عقود منتخباً ضعيفاً، مقارنة بأداء المنتخب التونسي في عصره الذهبي!
.. ويشكل التـــــألق، بل التـــــــفوق البلجيـكي حالــــياً فـــــي «المونديال الروسي»، نمــــوذجــــاً حـــياً على حـــقيقة ما ورد في «مقدمة ابن خلدون»، بل يمكن اعتباره يجسد خلاصة نظريتها القائمة على التغييــــــر وليس الثــــبات فــي حركـــة المجتـــمعـــات وأداء المنتخبات أيضاً، حيث لا توجد سلالة خالدة في مجدها إلى الأبد، سواء في كرة القدم أو السياسة أو الاقتصاد.. وغيرها!
.. وهذا هو ملخص نظرية عالم الاجتماع الإنساني، التي طرحها على العالم في مقدمته العالمية، قبل عدة قرون، وهو التونسي «ابن خلدون»، واستفاد منـــــها منتــــخب بلجــــيكا كــــثيـــــراً فــــــي «المونديــــــــــال»، لدرجـــة أن نجـــمه «هــــــــازارد» مــــا زال يتمشـــــى بكــــل زهــــــو فــــي روســـيــــــا، منتـــــشياً بالخماســـــية، واضـــعاً على إحدى أذنــــيه بـــاقـــــة مــــن «زهرات الياسمين التونسية»!

بقلم: أحمد علي

أحمد علي