كتاب وأراء

في رثاء الطبقة الوسطى

يُعرِّف عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، الطبقة الوسطى بأنها: «الطبقة التي تأتي في منتصف الهرم الاجتماعي، وهي الطبقة التي تأتي اقتصادياً واجتماعياً بين الطبقة العاملة وطبقة الأغنياء»، وقد اجتهد الكثير من العلماء والباحثين لوضع معايير خاصة بهذه الطبقة، سواء كانت معايير اقتصادية أو مجتمعية، ولكن لم يستطع أحد وضع معيار محدد ينطبق تماماً عليها؛ إذ أن ماهية الطبقة الوسطى تختلف من مكان لآخر، تبعاً للظروف السياسية والثقافية في المجتمعات المرصودة، فما ينطبق على الطبقة الوسطى مثلاً في البلدان الاسكندنافية؛ حيث يتحقق قسط كبير من العدالة الاجتماعية والرخاء والأمان والاستقرار الاقتصادي، لا ينطبق على الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة الأميركية، حيث الوضع الاقتصادي متأثر بالحدث السياسي الداخلي والخارجي، وحيث ما زال هناك الكثير من بنود العدالة الاجتماعية لم يتحقق بعد في المجتمع الأميركي.
وبطبيعة الحال ما ينطبق على الطبقة الوسطى في الدول الاسكندنافية لا ينطبق أبداً عليها في المجتمعات العربية ودول العالم الثالث والرابع.
ومن نافل القول إن وضع الطبقة واستقرارها في مجتمع ما هو دليل أكيد على أن هذا المجتمع منجز ومكتمل، وإن العلائق الاقتصادية والثقافية بين مكوناته هي علائق محددة وواضحة المعالم، ومرتبطة أساساً بالاستقرار السياسي وتأثيره المباشر على المجتمع، وبالحريات الفردية والجمعية، وبالإرث الديمقراطي العميق، وباحترام حقيقي لبنود شرعة حقوق الإنسان بكاملها دون نقصان، بما فيها حق العبادة والمعتقد والرأي، واختلاف العرق واللون والجنس.
ومن نافل القول أيضاً أن استقرار الطبقة الوسطى في مجتمع ما هو دليل على وصول هذا المجتمع إلى مجتمعات العالم الأول، ليس فقط اقتصادياً وحضارياً، بل إنسانياً وأخلاقياً أيضاً، وهما قيمتان أساسيتان في تحديد هوية تطور مجتمع ما عن غيره من باقي المجتمعات.
من هنا يمكننا القول إننا، في مجتمعاتنا العربية عموماً، في طريقنا لنصبح من دول العالم الخامس، بعد أن فقدنا مكاننا في العالم الثالث، فقد تم سحق الطبقة الوسطى بكاملها، وليس محو معاييرها المحددة، فكل السياسات الحاكمة الاقتصادية منها والاجتماعية والعسكرية والأمنية، عملت خلال عقود طويلة على تكسير مسار الطبقة الوسطى وحرفها عن أداء دورها في التغيير المجتمعي والاقتصادي والسياسي، فهمت الأنظمة العربية، مبكراً، أن الطبقة الوسطى هي الحامل لكل تغيير إيجابي مجتمعي، والذي سيؤدي بدوره إلى تغيير سياسي ديمقراطي وتعددي، فعمدت إلى تهميشها السياسي والثقافي، وإلى إفقارها عبر سياسات اقتصادية كارثية، بدءاً من الانفتاح الاقتصادي إلى سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي، دون وضع أي خطط تنموية بديلة لتعويض هذه الطبقة عما فقدته من زيادة غلاء المعيشة ورفع الدعم عن السلع الضرورية، ومع إهمال التعليم الحكومي والسماح للتعليم الخاص الباهظ التكاليف، سواء في المدارس أو في الجامعات، فقد حرمت هذه الطبقة أيضاً من التطور الجيلي الطبيعي، فأنجبت أجيالاً من المحرومين من التعليم الجيد.

بقلم: رشا عمران

رشا عمران