كتاب وأراء

مـقـتــطـفـــات صـحــفـيــــة

• أرجو ألا تظنـوا أنني أسـتمتع بهذه الملاحظات، وأنني أجـد لذة في «تصيُّد» أخـطاء الآخـريـن اللغوية، لا والـلـه، بل إن هذا «الالتزام» أفقدني متعة القراءة، فما إن أبدأ قراءة مقالة ما، حتى يقفز هذا «الشرطي اللغوي» ليسجل مخالفات هؤلاء الكتاب للقواعد والقوانين، ويقطع علي استمتاعي بقراءة المقال، وأنا أمام حلين مستحيلين: إما أن أسكت هذا «الشرطي» أو أن أتوقف عن القراءة. وبالمناسبة، تعبير «الشرطي اللغوي» ليس من اختراعي، بل من اختراعات أخ عربي من تونس الشقيقة، ويعمل ويكتب في دولة عربية مجاورة، وهو مهموم أكثر مني باللغة العربية، وقد دعا إلى تشكيل «الشرطة اللغوية» لرصد المخالفات وتبادلها، ثم الإشارة إلى المخالفين، وكنت أول من لبى هذه الدعوة، ولكنني لم أنتقل حتى الآن إلى إعلام المخالفين بمخالفاتهم.
• يبدو أننا لن نتوقف عن الحديث عن الاستعمال الخاطئ لكلمة «ضد» لأن كثيراً من الإعلاميين والصحفيين والكتاب ما زالوا يوردونها على أنها «ظرف» فيقولون مثلاً: يقف ضد التطبيع، تعمل ضد نشر الديمقراطية، ونسي هؤلاء الإخوة جميعاً أن «ضد» من الأسماء، بدليل أنها تعرّف بالألف واللام، وأنها تنوّن، وأنها تجمع وتثنى، ولا يجوز هذا مع الظرف، هل تجمع «أمام»؟ وقلنا كثيراً إن استخدام هؤلاء الإخوة للكلمة يؤدي إلى عكس المعنى، كقول أحد الكتاب: في حربهم ضد الإرهاب، ولم ينتبه إلى أن معنى قوله أنهم يحاربون ما هو ضد الإرهاب، أي صاروا عوناً للإرهاب.
• قلت كثيراً إن بعض الكتاب يخترعون ألفاظاً غير صحيحة، مع أنهم ليسوا من البريئين من الأخطاء النحوية والصرفية واللغوية بعامة، من هذا أن أحدهم كتب «زواجات» وهو يقصد بالطبع جمع «زواج» ولم أجد في المعاجم القديمة جمعاً لكلمة «زواج» حتى ولا في معجم المجمع اللغوي في القاهرة، ولم أجد هذا الجمع أيضاً في نيف ومائتين من الكتب القديمة، فهي من الكلمات التي لا جمع لها، مثل نكاح وطلاق وفراق ووداع وغير ذلك. وبالمناسبة اختلف علماء اللغة قديماً حول كلمة «زوجة» فأجازها كثير منهم، ورفضها المتشددون كالأصمعي، وقال هؤلاء: الرجل زوج والمرأة زوج «يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة» ولكننا مع الميسّرين لا المعسّرين.
وأسوأ من هؤلاء جميعاً الذين اخترعوا كلمة «زيجة وزيجات» حتى إن واحداً يحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة أقحم نفسه في المشهد الإعلامي كمفكر إسلامي يقول في أول كتبه وهو الذي بنى شهرته عليه: «زيجات» النبي صلى الـلـه عليه وسلم، وليس في اللغة زيجة ولا زيجات.
• القاعدة الدائمة عندي أن أركـّز على كبار الكتاب ومشاهيرهم ولاسيما من المخضرمين، وقد صغت هذا قبل سنوات «على قدر العلم يكون العتب» قياساً على القول الشائع «العتب على قدر المحبة» وليس للحب أو البغض أو الكره محل فيما أكتب، ولكن هؤلاء قدوة للناشئة والمبتدئين.
أحد هؤلاء ذكر في مقالته «عقب آخيل» وتقول الأسطورة إن أم آخيل غطسته في مياه الخلود فلم يعد شيء يؤذيه أو يقتله، لكنها حين فعلت أمسكته من أحد عقبيه، فلم يلامسه الماء، وصار العقب النقطة الوحيدة في جسمه التي يمكن أن يُقتل إذا أصيبت، وصار هذا مصطلحاً للمقتل. وضع الكاتب الشهير ضمة فوق العين «عُقب» وليته ما فعل، فهو «العَقِب» بفتحة فكسرة، قال صلى الله عليه وسلم «ولا تقـْعُ على عَقِبيك في الصلاة فإنها عَقِب الشيطان» ومن هنا كان الجمع المشهور «أعقاب» ونستخدم الكلمة مجازاً في أمور كثيرة. ووضع الضمة فوق العين قد يجعلنا نقرأ الكلمة «العُقُب» بضمتين متتاليتين، ولكن هذه تعني العاقبة، والعاقبة للمتقين.
• نسعى دائماً إلى التيسير ومنهجنا في ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها «ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما»، فنحن على منهج «يسِّروا ولا تعسِّروا». من ذلك ما قاله علماء اللغة قديماً من أن أفعَل التفضيل «أكثر» لا يأتي إلا مع اثنين أو أكثر، فتقول مثلاً: وحجّ أكثر من ثلاث مرات، لكنك لا تقول: وزار دمشق أكثر من مرة، فإن أردت تقول: وقد زرته غير مرة، ومع التزامنا بمعظم ما قال علماء اللغة نرى أن هذا «تعسير»، وقد بحثت في أمهات الكتب، فوجدت كثيراً من المؤلفين القدماء جاؤوا بـ «أكثر» مع الواحد، فلماذا لا نسير مع الجرجاني والدينوري والزجاجي وابن فارس وغيرهم ونستعمل «أكثر» مع الواحد وغير الواحد؟
• استخدام كلمة «يافطة» بدلاً من «لافتة» خطأ بشع نبهنا إليه مراراً، ويستخدمه بعض الكتاب ظناً منهم أن الكلمة أفصح من «لافتة» مع أن المعاجم العربية كلها تخلو من هذه الكلمة التي يجب أن تكون مشتقة من الجذر «يفط» فهو يافط وهي يافطة، ماهذا الهراء؟ ليس في المعجم فعل «يفط» فمن أين أتيتم باليافطة؟
• قرأت لكاتب كبير في واحدة من أشهر الصحف العربية «واستخدمت الحكومات ذات اليافطة لتغطية الفشل» وتلاحظون أنه استخدم الكلمة الخطأ «يافطة» أما خطؤه الأكبر ففي قوله «ذات اليافطة» وهو يعني اللافتة نفسها. أخطأ الكاتب هنا خطأين: الأول أنه وضع أداة التأكيد قبل المؤَكـَّـد، وهذا خطأ شائع جداً، والقاعدة أن أداة التأكيد تأتي بعد المؤكد، فنقول: رأيت الرجل نفسه، ولا نقول: رأيت نفس الرجل. الخطأ الثاني أن «ذا وذات» ليست من أدوات التأكيد، بل تعني صفة في من نتحدث عنه، كأن نقول: رأيت المرأة ذات الوشاح الأحمر، ولقيت الرجل ذا اللحية الكثّة.
• كتبت مرة عن الكاتب الذي يصر على وضع الحركات بنفسه فوق الحروف، وتكون خطأ، وسميته الكاتب الذي يتباهى بالخطأ، ويبدو أن الذين يتباهون بالخطأ كثيرون. كتب كاتب في واحدة من أشهر الصحف العربية «أن جِذْر قدس فلسطين يستوطن القلب» وأصر على «تشكيل» الكلمة. لماذا يا صاحبي؟ لو أنك تركتها دون وضع الحركات لقرأها الجميع صحيحة. إن الأطفال الصغار يعرفون أنه «جَذر» وليس جِذراً، وإن كان بعض العلماء القدماء قد جوّزوا الكلمة بكسر الجيم، ولنفترض أن الكلمتين صحيحتان، فلماذا تلجأ إلى كسر الجيم وهي ليست شائعة؟ أليس هذا من التقعر والتعسير؟
• ينتشر فعل «تنمّر يتنمر» وتعرّف الموسوعة التنمّر بأنه «هو شكل من أشكال الإساءة والإيذاء موجه من قبل فرد أو مجموعة نحو فرد أو مجموعة تكون أضعف، وغالباً جسدياً» ويوصف التنمر في كثير من الأحيان بأنه شكل من أشكال المضايقات التي يرتكبها المسيء الذي يمتلك قوة بدنية أو اجتماعية وهيمنة أكثر من الضحية. وينتشر التنمر في كل مكان، وقد خطر لأحد الكتاب أن يخترع فعلاً جديداً فقال «ولا يستنر إلا على الحكام العرب» مع أن علماء اللغة عرفوا التنمّر بقولهم «تنمر له (وليس عليه): تنكر وتغير وأوعده لأن النمر لا تلقاه أبداً إلا غضبان».
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين