كتاب وأراء

.. طريق الرغبة الشائك

هو يَقولُ: «وِهاد العمرِ يا أنتِ، كَمْ مرة أَكْذِبُ على نفسي لِأُقْنِعَها بأنني مازلتُ رَجُلاً أو حتى ظِلّ رَجُل لا يَسقط وَقارُ رُجولته عند رصيف الزُّهد فيها!»..
هي تَقول: «آلَمْتَنِي، آلَمْتَنِي، وفي كل مرة أَنْسَى أنني كنتُ في أيام مَضَتْ أُنْثى مُشْتَعِلَةً بالحياة، أُنْثَى لا تَخْتَلِفُ عن عُود الثقاب الذي يَضخُّ الدِّفءَ في مجمر البيت، البيت الآيل للسقوط، ما أن تَسقطَ سيدتُه عند عتبة الغياب»..
هو يَقول: «في مِرآةِ الحُبِّ المنكسِرة أرى وجهَ أيامنا الماضية شظايا، وعلى زجاج الشُّرْفةِ أَقْرَأُ أنفاسَنا على شاكلة قصيدة ضباب، أنفاسنا كيف كانت وكيف تتقطع كما لو كانت منبعثة مِنْ روح تُحْتَضَرُ، وفي ثلاجة الذاكرة تَبَلَّدَتْ أوقاتُنا الحُلْوَة تلك التي أَضْحَتْ تَكفر بالزمن»..
هي تَقول: «كَمْ مرة، كم مرة قلتُ لكَ أَلاَّ تُمَزِّقَ ثوبَ الحضور، حضورك، في كل مرة تَشرد فيها بِذهنِكَ بعيدا عن مَوْطِئ قدمَيْكَ، بينما تَترك نفسك خارج خَطّ حنيني إليكَ أنتَ الهارب مني ومِنْكَ»..
هو يقول: «ما عُدْتِ تُثْيرينَ في إحساسي غريزةَ حُبِّ الحياة بعد أن كُنتِ أنتِ الحياة، ما عُدْتِ يا امرأة تَزفِّينَ سِرْبَ حَمامِ الشوق إلى قلبي، ما عُدْتِ تُتْقِنين أكثر مِنْ لُغَةِ العتاب متناسيةً أن الرَّجُلَ يَشْمَئِزُّ مِنْ ذاتِه حين تَرحلُ أنثاه عن مَلاذاتِه»..
هي تَقول: «هَجَرْتَنِي، هَجَرْتَنِي وأَوَّلُ الوصل بابٌ باتَ مُوصَدا»..
هو يَقول: «أَهْمَلْتِنِي، أَهْمَلْتِنِي وما عادَ قَلْبُكِ لي مَعْبَدا»..
هو وهي نَهْرٌ يَجري مجرى الحياة، وبينهما تَمْتدُّ صرخةٌ غيَّبَها الوقتُ الضائع، صرخةٌ تُسَمَّى الطفولة، وهذه لا أحد فَكَّرَ في إنقاذها أو عمل على إبقائها، لأن النهر الْمُعادِل للبيت تَسَلَّلَ إليه ركام مِنَ الأنانية التي جَرَفَتْها السنين، فَغَيَّرَتْ طَعْمَ الماء ولَوَّثَت الهواء، ولم تُقَصِّرْ بالْمِثْلِ في أن صَيَّرَت الأحِبَّةَ أَعْداء..
في حياتك، أَعْطِ«ي» نَفْسَك الحَقَّ في الإحساس بزهرة المحبة وهي تَحلو، أَعْطِ«ي» نَفْسَك الحَقَّ في الإحساس بوردة الطفولة وهي تَتَفَتَّح، وقَدِّم«ي» شيئا مِنَ التنازلات إن كنت تَحْرِص«ين» على استمرارية الحياة..
لِنَتَرَبَّ على السباحة في بحر الصبر، ولْنُرَبِّ نُفوسَنا على أخلاق فَتْح الحوار مع الآخَر. ثمة قاتلٌ يُسَمَّى الصمت ذاك الذي يَسرق منا عُمْلةَ الكلام في عِزِّ حاجتنا إليها، وفي المقابِل، لِنَثِقْ بأنَّ ما مِنْ شيء يَنقصنا إلا وكان أَهْوَن مما يَنقص غيرَنا. ما تَوَهَّجَ وأضاءَ في وَضَحِ النهار مُخْجِلٌ أنْ تُبيدَه قِطْعَةٌ مِنَ الليل!
نافِذَةُ الرُّوح:
«بَيْنَ الرغبة والعَجْزِ قَدَرٌ».
«يُسائْلُني الصمتُ بين يَدَيْه: متى نَلتقي؟ فيُجِيبُ النسيمُ الحالِمُ المارُّ من هنالِكَ: مَهْلاً يا صغيرتَه، فمازال الشوقُ أميرَ الظلام».
«بَيْنَ رِحلتين أُعِيدُ كتابةَ سِيرتي الأولى: حُبّ وحَرب».
«قالَت الفتحةُ: أَرِنِي بشرتَكِ، مِنْ أين لكِ بكُلِّ هذا البَياض.. فأجابَت الضَّمَّةُ: السِّرُّ في أنني أضُمُّ إليَّ أولئك الهارِبين مِنْ طعنةِ سيفِك البتَّار».
«إلى متى تَلْدغُني يا ثُعبانَ الحَظّ؟! وإلى متى لا أَكُفر بكَ؟!».
«سَلْ سَبيلاً إلى نَفْسِكَ قبلَ أن تُسْأَلَ عليها».
«مِنْ أينَ له بمنديل الرحمة مَنْ يَرضع حليبَ الحَرب؟!».

بقلم : د. سعاد درير

سعاد درير