كتاب وأراء

الخـدعـة الـكـبـرى

أريد العودة شهراً إلى الوراء لأتحدث عن ذكرى ما سمي الثورة العربية الكبرى، ففي الثاني من يونيو/ حزيران 1916 أطلق «الشريف حسين» شريف مكة طلقة كانت الإعلان عن قيام الثورة التي عمت مدن الحجاز أولاً، ثم امتدت لتشمل الشام (لم تكن سورية قد قسمت إلى أربع دول) والعراق.
استغل الغرب أخطاء العثمانيين، وحرض العرب على القيام بثورة عليهم، ودغدغ أحلام الشريف حسين بإقامة دولة واحدة أو مجموعة من الدول المتحدة، من تركيا حتى اليمن. قامت الثورة، وهزمت تركيا، لكن البريطانيين والفرنسيين كانوا قد اتفقوا على تقاسم تركة الرجل المريض فيما عرف بعد ذلك باتفاقية سايكس بيكو لتقاسم المستعمرات. أما مصر فكانت منذ عام 1882 تحت الوصاية البريطانية، وأما الخليج فلم تكن له تلك الأهمية إلا للحفاظ على حرية الملاحة إلى الهند وباقي المستعمرات، وأما نجد والحجاز فقد تنازع عليهما الشريف حسين مع ابن سعود، وكانت الغلبة في النهاية لابن سعود، ولم تكن بريطانيا مهتمة كثيراً بالمنطقة جنوب سورية الطبيعية، إذ لم يكن البترول قد اكتشف في هذه المنطقة، ولم يكن فيها ما يغري، وكانت النتيجة وقوع سورية ولبنان تحت الاستعمار الفرنسي باسم مخفف «الانتداب» وهو الوصاية على الشعوب التي لم تكن مؤهلة لحكم نفسها، (كما ارتأت عصبة الأمم التي حلت هيئة الأمم المتحدة محلها بعد الحرب العالمية الثانية) وعبّر السوريون عن انتمائهم العربي الأصيل فقبلوا «الحجازي» فيصل بن الحسين ملكاً عليهم، (كرروا هذا عام 1958 عندما قبلوا «المصري» جمال عبد الناصر رئيساً لهم) وخلعت فرنسا الملك فيصل فنقلته بريطانيا ملكاً على العراق، وقسمت الدولتان سورية الكبرى، واخترعتا «إمارة شرقي الأردن» ونصبتا عليها الأمير عبد الله أخا الملك فيصل، وكان مصير فلسطين قد تقرر بوعد بلفور وطناً قومياً لليهود.
قد نقول إن السوريين خدعوا بمن هيّجهم ومنّاهم المنى، وما علموا أن للدول الأخرى (ولا سيما الكبرى) حساباتها ومصالحها، ولا يهمها أن يكون تحقيقها على حساب الشعوب، وقد نقول الأمر نفسه عن الفلسطينيين، وقد نقوله عن بعض العرب الآخرين، لكننا نفجع بأننا كنا دائماً نقدم أنفسنا لقمة سائغة للغرب لكي يخدعنا. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه «لست خِبّاً، ولكن الخِبّ لا يخدعني» (والخبّ بكسر الخاء وفتحها: المخادع الماكر) وينسب هذا القول أحياناً إلى الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه. مشكلتنا أننا لا نتعلم من تجاربنا، وما زلنا نصدق وعودهم ونتكل عليهم، ونحن نعرف أنهم غير مهتمين بتحررنا أو استقلالنا أو تقدمنا، و«ما حك جلدك مثل ظفرك».
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين