كتاب وأراء

من يعول على الماضي فقط .. ليس لديه شيء يقدمه للمستقبل

نبش التاريخ على الطريقة البحرينية

نبش التاريخ على الطريقة البحرينية

لنتفق أولاً، قبل قراءة هذا المقال، أن هناك فارقاً كبيراً بين استحضار التاريخ بوعي، وبين محاولة إنتاج الماضي بطريقة ساذجة، لبعث الحياة في التاريخ الميت، لعله يحيي مجداً ضائعاً!
.. والمؤســـــف أن البحـــرين عـــــلى عــــــادتها منــــذ بـــــدء الحــــصار الجــــائر عــــلى قطــــر، دأبــــت عــــــلى نبـــش التاريخ، بهدف خـــــلق ضجـــة مفتعــــلة، ســــرعـــــان ما تتـــبناهــا وسائل إعلام دول الحصار المنفعلة، وتروج لها، وتنفخ في نارها المشتعلة!
.. ولعل ما فعله منظمو «مؤتمر المنامة»، الذي اختـــتم أعماله قبل أيام، برعاية وكيل وزارة الخارجية البحرينية، يندرج تحت محاولات إضفاء المسحة الأسطورية على حكامهم، عن طريق النبش في تاريخ قطر، بطريقة غرائزية، وبصورة استفزازية، ونظرة انتقائية، لإحياء الماضي الأغبر، الذي ولى وغبر.
.. وما من شك في أن الماضي لا يعود، ولا يتكرر، ولا يمكن لعقارب الساعة أن تعود إلى الوراء، ولو كان ذلك ممكناً لعادت أسرة «محمد علي» لتحكم مصر، بعد الإطـــاحة بآخر ملوكها «فاروق الأول المعظم»، الذي تولى الحكم خلال الفترة من 28 أبريل، 1936 ــ حتى 26 يوليو 1952، بعدما أجبره «الضباط الأحرار»، على التــــنازل عن الــــعرش، وتحـــــويل «المملكة المصرية» إلى جمهورية.
.. أو عاد أحفاد الملك محمد إدريس السنوسي ليحكموا ليبيا، بعد الانقلاب على حكم جدهم، في الفاتح من سبتمبر عام 1969.
.. وعاد الهاشميون ليحكموا الحجاز، بعد إســـقاط «المملكة الحجازية»، التي أسسها الشريف الحسين بن علي، وكانت عاصمتها مكة، وامتدت سلطتها حتى العقبة شمالا، إلى جبال عسير جنوباً، ومن البحر الأحمر غرباً حتى نجد شرقاً، ثم انتهى حكمها، بتوقيع اتفاقية تسليم جدة في 16 ديسمبر 1926.
.. ولو كان الماضي يعود حقاً لعاد «آل رشيد»، ليحكموا الشمال والوسط السعودي، انطلاقاً من عاصمتهم «حائل»، بعد سقوط آخر أمرائهم محمد بن طلال بن نايف الرشيد، خاصة أن أسلافه أقاموا إمارة كبيرة، أسسها الأمير عبدالله بن علي بن حمد الرشيد، المولود عام 1790، امتد حكمها حتى تبوك والجوف والقصيم، وسائر المناطق النجدية، خلال الفترة من (1834 - 1921)، وكانت إماراتهم تعتبر الموطن الأصلي لعشائر شمر، المنتشرة بالسعودية والكويت والأردن والعراق وسوريا.
.. ووفقاً لمنطق «الحق التاريخي»، الذي تروجه البحرين، ليس مستغرباً عودة «الحكم الملكي» إلى العراق، بعد 37 عاماً من حكم الهاشميين، حيث كان آخر ملوكهم فيصل الثاني بن غازي، الذي توج ملكاً في الثاني من مايو عام 1953، واستمر في الحكم حتى مقتله في 14 يوليو عام 1958، ليبدأ بعدها العــــهد الجمــــهوري، في عهد الفريق نجيب الربيعي، «رئيس مجلس السيادة»، ومن بعده الرئيس الأسبق عبدالسلام عارف.
.. ومن المؤكد أن كل عارف،متابع لأحداث التاريخ، يعرف أن «اليعاربة» حكموا عمان، وكان عهدهم يمثل حالة استثنائية في التاريخ العماني، من حيث قدرتهم على مقاومة خصومهم في الداخل والخارج، ليخرج من بعدهم من نسيج الأسرة العمانية رجل شديد الجرأة، اتخذ من «الرستاق» مركزا لعاصمته، وهو الإمـــام أحمــد بن ســـعيد (1744 ـ 1783) مؤسس الدولة البوسعيديـــة، في سلطنـــة عـــــُمان، التي ينحدر منها السلطان قابوس بن سعيد ـ حفظه الله، وتتصـــل جـــذورها بالقائد الإسلامي «المهلب بن أبي صفرة»، الذي تحاول الإمارات أن تنسبه إليها!
.. وفي عهد «البوسعيدي» توسعت الامبراطـــورية العــــمانيــة، استنادا إلى قوة أسطولها البحري، حيث امتد نفوذها حتى «مكران» و«جوادر» في باكستان، التي كانت قطعة تابعة لسلطــنة عمان منذ عام 1792، حتى تاريخ عودتها إلى حضن الجمهورية الباكستانية عام1957.
.. ونفس الأمر ينطبق على «زنجبار»، الواقعة في «تنزانيا» حالياً، حيـــــث كانـــت تابعة للحـــكــم العماني منذ عـــام 1856، حــتى تاريخ انفصالها عن السلطنة العمانية في يناير عام 1964.
.. ولو كان الماضي يعود، كما تشتهي البحرين، لعادت «إمـــارات الــــساحل المتصـــالـــح»، جزءاً لا يتجـــــزأ من الإقليــــم الــــذي عــــرف تاريخيـــــاً باســــم عــــمــــان، خــــاصـــــة أن تاريخ الإمارات المتصالحة، يدخل في صلب التاريخ العماني، حيث كانت الإمارات المتناثـــرة على ساحل الخليـــج، تســـــمى قبل قيام الــدولة الاتحــــاديــــــة، «إمارات ساحل عمان»، ونجح حكامها «القواسم» أصحاب السلطة في رأس الخيمة والشارقة، في الانفصال عن الدولة العمانية، بعد انهيار حكم «اليعاربة»، وانشاء كيانهم، وحاضرتهم في «جلفار».
.. ولست هنا بصدد كشف الأسرار، وإعطاء الدروس في تاريـــــخ الأمصار، لمن يريد توظيف أحداث التاريخ لصالـــحه، لكن لو كان الماضي يعود حقاً، كـــما يريد من يثيرون النعرات التاريخية في المنامة، لعاد البرتغاليون ليحكموا المنطقة، بعدما بسطوا نفوذهم عليها، في القرن السادس عشر، وسيطروا على الجزر والمدن الساحلية الممتدة من مسندم، حتى قلهات وصور ومسقط ومطرح وخورفكان ودبا، وربما يكون الهداف البرتغالي «رونالدو» واحداً من أحفادهم، وإن كنت أعتقد جازماً، أن المدافع الشرس «بيبي» حفيدهم!
.. وعـــــــلى أســـاس «الحـــق التاريـــخي»، الذي تـــــروجــــــه المنــــامـــة، كــــان مـــفروضاً عدم خروج ألمانيا مبكرا، من «المونديال الروسي»، لكونها تحمل لقب بطولة العالم، ولما لحقتها البرتغال وهي بطلة أوروبا، ولما لحقت بهما إسبانيا، وهي الفائزة بكأس العالم عام 2010، ولما غادرت الأرجنتين البطولة العالمية من بابها الواسع، رغم أنها تضم ميسي، أفضل لاعب في العالم!
.. وهكذا هو التاريخ، يتدحرج بأحداثه، ويتغــــير بتقلـــباته مثل مـــباريات كرة القدم، يوم لك، ويوم عليك، وفــــي كل مرحــــلة من مراحــــل التاريــــخ هناك صــــعود وهبــوط، إزدهار وإنكسار، وانتصار وهزيمة، وحرب وسلم، ومد وجزر، وعــــداء وصـــداقة، والســــبب أن الماضي بكل ظواهره، يتشكل من فيض من الشخصيات العابرة، والأحداث المتغيرة.
.. ولكن رغم كل المتغيرات، تبقى هناك حقيقة واحدة ثابتة، لا يمكن لأحد تغييرها، وهي أن الماضي لا يعود، ولا يجوز أن يكون حاضرا، ولا يمكن أن يصبح مستقبلا.
.. وفي إطار هذه الحقيقة، لا يخــــفى على كل مـــــتابع ما يمــــــكن أن تثــــيره أطروحه «الحـــــق التــاريخــــــي» مـــن تمــــزيــــق أواصــــــر المنطـــقة، مـمــــا يستــــدعي ضــــرورة التزام الجميع باحترام حدوده أولاً، واحترام الأنظمة الحاكمة الأخرى ثانياً، لضمان حفظ السيادة الترابية لكل دولة.
.. ومن الواضح أن البحرين لم تستوعب، حتى الآن، دروس غزو العراق لدولة الكويت الشقيقة، في أغسطس عام 1990، بدعوى عودة الفرع إلى الأصل، وما أعقب ذلك من فوضى عارمة، أصابت العراق قبل غيره، دفع ثمنها غالياً الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.
.. وما من شك في أن نبش التاريخ، على الطريقة البحرينية، لايخدم المنامة بل يضرها، أكثر من غيرها، لعدة أسباب، أولها أنها لا تستطيع أن تدير ظهرها لحكم محكمة العدل الدولية، الصادر في السادس عشر من مارس عام 2001، بشأن الخلاف الحدودي بين قطر والبحرين.
فهذا القرار ملزم لكلا الطرفين، ولا يحق لأحدهما النكــــوص منــــه، أو عـــدم الــــوفـــاء به، وعدم الالتزام بتنفيذه، لأن ذلك يعني عدم احترام حكم المحكمة، مما يمثل انتهاكاً سافراً لقرارات المؤسسة العدلية الأكبر، التابعة للأمم المتحدة، ويدفع مجلس الأمن إلى التدخل لتطبيق القرار الأممي.
أما الأمر الآخر، فهو أن البحرين عانت الأمرين، من جراء مطالبات إيران بها، استناداً إلى ادعاءات «الحق التاريخي»، حيث ما زال التيار الإيراني الراديكالي المحافظ، يعتبرها «الإقليم الرابع عشر»، التابع تاريخياً وجغرافياً للسيادة الإيرانية!
.. ولعل من قرأوا التاريخ جيداً، يعلمون أن البحرين منذ ما قبل استقلالها، في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، كانت وما زالت تشكل هدفاً مباشراً للمطالب الإيرانية.
.. واستناداً إلى ذلك، أصدر مجلس الوزراء الإيراني عام 1957، قراراً يقضي بضم البحرين إلى «السلطة الشاهنشاهية»، على خلفية خضـــوع الـــــجزيرة يومـــــاً من أيــــام تاريخها إلى الحكم الفارسي!
.. وبالتالي ليس في مصلحة المنامة أن تفتح «بشتختة» الماضي، وتنبش في محتويات دفاترها القديمة مع قطـــر ــ المحسومة قانونياً ــ الموضــــــــوعة في ذلك «الصندوق المبيت»، المصـــنوع من «الســـيسم»، وهــــو خــشب «الأبنوس»، في وقت تواجه فيه البحرين ذاتها، تحــــديات داخليـــة وخارجيـــــة، لا تقل في حدتها عن شفرة الموس، تتهدد وحدتها على كل جبهاتها وجهاتها.
.. ونظراً إلى حدة الأزمة الداخلية في البحرين، فإن السياسة العبثية التي تمارسها المنامة، تشكل منتهى الخطورة عليها.
.. ورغــــــم كـــل التحـــديـــات التي تواجهـــها، نجـــد حكامهـــا يحيــــطون أنفــــسهم بهالة زائفة من العظــــمة، والتـــــجبر، والتكــــبر على شعــــبهم، رغــــم هـــشاشـــــة موقفــــهم، وعدم قدرتهم على مواجهة التهديـــــدات الخارجية، التي تســتهدفــــــهم، انطـــلاقاً مــــن الساحل الآخر للخليج، حيث تسعى إيران لتأكيد تبعية البحرين لها، بشتى الوسائل!
.. وما من شــــك في أن قيــــام المنامـــــة بإثـــــارة أطروحـــــة «الحـــق التـــاريخي»، المحسوم قطرياً وقانونياً وقضائياً وسياسياً وسيادياً، يؤكد أن المسألة لا تعدو في أساسها أن تكون أطماعاً بحرينية خالصة، واستفزازاً، واستهتاراً بقرارات المؤسسة العدلية الدولية الأكبر في العالم.
لقد أصدرت «محكمة العدل» حكمها النهائي الملزم، غيـــر القابل للاستئـــناف، بشأن الخلاف الحدودي القطري ــ البحريني، الذي استمر قرابة نصف قرن، وأسدلت الستار على أطول نزاع عرض عليها، في القضية المعقدة، التي استمر تداولها تسع سنوات، مؤكدة على لسان رئيسها «غيلبيرت غيوم»، أنه لا يجوز الطعن في حكمها، أو الاحتجاج عليه.
.. وكلنا نعلم أن قرار «المحكمة الدولية» منح البحرين السيادة على حوار وقطعة جرادة، كما تم تأكيد سيادة قطر على فشت الديبل والزبارة وجزر جنان وحد جنان.
.. ولعل أبرز ما ورد في حيثيات قرار محكمة العدل الدولية، أن قطر مارست سيادتها الكاملة على الزبارة، ومهما كانت الحقوق المزعومة التي تطالب بها البحـرين، فإنها تعد مطـالبات شخصية، وليست حقوقاً سيادية، حيث لم يكن حكام المنامة قادرين على ممارسة أي سلطة على الزبارة، وبالتالي تبقى هذه المنطقة تابعة لحكم الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني وأحفاده.
كما قررت المحكمة بالإجماع سيادة قطر على «فشت الديبل»، الذي تغمره مياه المد، بحكم وقوعه في منطقتها البحرية في حالة «السقي»، مؤكدة أن ما قدمته البحــــرين وخبراؤها، لا يثبت الطابع الأرخبيلي البحريني، على هذا «الفشت القطري».
.. وفيما يختــــص بمصايد اللــــــؤلؤ، الواقعــة شمالاً بجــوار المياه الإقليمية القــــطرية، رأت المحكمــــــة أن زمـــن صيــــد اللـــؤلؤ انتـــــهى، بعــــدما كـــــــان مـــتاحــــــاً للجــــميع، ولا يحق للبحرين الادعاء بسيادتها على تلك المنطقة,
المتاخمة لمياه قطر الخالصة، في منطقتها الاقتصادية الخاصة.
.. وبعد إغلاق هذا الملف نهائيا، إثر صدور قرار محكمة العدل الـــــدولية، أستطيع القول واثقاً إن البحرين لا تملك أي حجة قانونية، بادعاء «الحــــق التـــاريخي»، فــي أي شأن من شؤون قطر، خاصة أن أميرها الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، الذي لم يـــرق نفـسه يومها، ليصبح «ملكا»، كان أكثر فرحاً وفخراً وزهواً و«وناسة» بحكم المحكمة، لدرجة أن بلاده احتفلت بالحكــــم احتفـــالاً صاخــــــباً، لم تشهد له البحرين مثيلاً.
.. ويكفي أن الشيخ حمد بن عيسى أكد في خطاب بثه تليفزيونه الرســــــــمي، «قبـــول بلاده حـــكـــــــم المحكمة في شموليته»، معتبراً أن ثبات البحرين وتمسكها بحقوقها، أدى إلى هذه «النتيجة العادلة» على حد قوله.
.. وشدد على أن الحكم يشكل بداية عهد جديد للتفاهم مع قطر، معتبراً يوم الـــــسابع عــــشر مـــــن مـــــــارس، الذي أعــــــقب صـــــدور الحــــكم عطلة رسمية في البلاد.
.. وأذكر يومها أن الإمــــارات تحــــديداً، حليفة البحرين في مؤامراتها الكبرى ضد قطر، رحبت بقرار المحكــــمة الدولــــية، وأعـــــلن الشــيـــــخ سلطـــان بن زايدـــ آل نهــــــــيان، الـــــذي كـــان يتولى منصب نائب رئيس الوزراء، أن هذه الخطوة تعتبر حدثاً تاريخياً، وإنجازاً يعكس حكمة حكومتي البلدين، وأن دولة الإمارات تعبر عن ترحيبها وابتهاجها بهذا الحكم العادل.
وأضاف: إننا نرى، قيادة وحكومة وشـــعباً في هذا الحكم، انتصارا للتضامن، وتغليباً للحكمــــــة، ومنطـــق العـــقل، ومثــــــالاً للتـــــعاطي الحــضاري، باعتبار أن الخيار السلمي، أنجح وسيلة وأسلم طريقة لحل النزاعات وفض الخلافات.
.. ووسط الأفراح والليالي الملاح، التي سادت البحرين بعد صدور حكم المحكمة الدولية، الذي منحهـــــــا الســـيادة عــلى جزيـــرة حـــــوار، لا أذكـــر يومها أن أمــــيرها، ارتـــــدى «جاكيته الأحمر»، الذي يظهر به دائماً في المناسبات الوطنية, والفعاليات العامة.
.. وربما كان ذلك الـــــــــجاكيــــــت الأشهـــر، موجـــوداً حينها عند «الدوبي»، لتنظيفه وغسيله، على طريقة «دراي كلين»!


بقلم: أحمد علي

أحمد علي