كتاب وأراء

الرمضاء والنار

حمانا الله من تناول الفول واللحمة الحمراء والكبدة، وكل ما كانت تطلبه النفس الأمّارة بالسوء..
تمتم في نفسه وهو يدقق النظر في نتيجة فحص الدم الذي أجراه قبل يومين، وأبلغه الطبيب أن النتيجة مش ولا بد، وأن اليوريك أسيد في دمه مرتفعٌ، وعواقبه خطيرة.
ماذا يفعل؟ وهو رجلٌ حيوانيُّ النزعة، وإن تاب يومين أو ثلاثة عن وجبةٍ دسمة، عوّضها بطبق فول معتبر، والطبيب يبلغه أنه بذلك يكون: كالمستجير من الرَّمضاءِ بالنارِ..
إلا شو هي حكاية المستجير من الرمضاء بالنار؟ تساءل، وازدادت حيرته:
- لمَ لم يقولوا: زيّ اللي متخبّي من الدَّلف للمزراب؟ والله كان أفضل، فأنا الآن أبتعد عن هوايتي وشغفي، وأمل حياتي، اللحمة المكبَّسة المعتبرة، وأروح مدّيها فول، أجد نفسي ذلك المستجير من الرمضاء بالنارِ، لك يا خيّي شو هي الرَّمضاء؟
تذكّر أن جاره الشاعر الفحل هادي سعفان، أفتى مرّةً أن الرمضاء هي الأرض التي اشتدّت عليها أشعّة الشمس، فحميت، أو صارت أشبه بالمحترقة، يمكن هذا التعبير يفيد المعنى، فالذي قيل فيه هذا المثل، أراد ان ينجوَ من مهلكةٍ، فاستجار بأقوى منها.. والحمد لله فنحن نعرف معنى النار. لكنني رجلٌ أُعزُّ اللحمة: مشويةً، ومسلوقةً، ومع الخرفان التي تقدَّم في موائد الأهل والصِّحاب، يعني أهجر هذه المتعة، وأروح على الفول، أجد نفسي لم أراوح مكاني، وما نابني غير وجع قلبي؟ وحينما أُجري تحليل دمٍ، أجد نفسي كأنك يا بوزيد ما غزيت؟ اليوريك أسيد ورايَ ورايَ؟
آهٍ من وجع المفاصل، وأوّاه من ألم أصابع القدميْن.. كل هذا من بلاوي اللحمة الحمراء وأخواتها؟ يا سيدي بلاش لحمة حمراء، وبلاش فول مدمّس، خلّيها شوية قواقع بحرية وروبيان، يعني أكلة بحرية تعدّل الدماغ وتكفينا شر اليوريك أسيد.
تحامل على نفسه، وراح خابصها بقواقع، وأم الروبيان، طلب من أم العيال رز بالروبيان وتحليه بشوية قواقع، يمكن يسد بها جوعه، ونهمه للأكل الطيب.. أم العيال التي لا تقل عنه شراهةً، تفننت في إعداد طبق الرز بالروبيان، وجرادة البحر «أم الروبيان» والقواقع. ونسي أو تناسى آلام المفاصل، وعلى المائدة لم يرحم نفسه.
بعد صلاة العشاء شعر بثقلٍ في حركته، مال على صديقه «أبو أدهم»:
- يا أخي أنا تركت اللحمة الحمراء والفول، ورحت بعيد على أكلة بحرية من الروبيان والقواقع، وشايف لك أني مطرح ما كنت...
- أنت لا تعرف أنك بذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار؟
همهم قائلاً:
- يخرب بيت الرمضاء، ويخرب بيت النار، وآه يا مفاصلي!

بقلم : حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل