كتاب وأراء

جــرّاح الاسـتبـداد

عندما نذكر الاستبداد تتداعى إلى الذهن مجموعة من الأسماء التي حمل كل من أصحابها لقب ديكتاتور ومستبد وطاغية، ملعوناً إلى يوم القيامة، لكننا نتذكر أيضاً مفكراً وثائراً على الاستبداد، صار علماً في مقارعة الاستبداد والمستبدين، إنه المفكر الإصلاحي السوري عبدالرحمن الكواكبي الذي ولد في مثل هذا اليوم عام 1855 ومات مسموماً سنة 1902.
أمضى الكواكبي حياته مصلحاً وداعياً إلى النهوض والتقدم بالأمة العربية وقد شكل النوادي الإصلاحية والجمعيات الخيرية لتوعية الناس، ودعا المسلمين إلى تحرير عقولهم من الخرافات، وقد قسم الأخلاق إلى فرعين: فرع أخلاقي يخدم الحاكم المطلق، وفرع يخدم الرعية أو المحكومين، ودعا الحكام إلى التحلي بمكارم الأخلاق لأنهم الموجهون للبشر، ودعا إلى إقامة خلافة عربية على أنقاض الخلافة التركية، وطالب العرب بالثورة على الأتراك، وقد حمل الحكومة التركية المستبدة مسؤولية الرعية. وضاقت به السلطات العثمانية فسجنته، وأغلقت الصحف التي أنشأها، ولم يجد مفراً له سوى اللجوء إلى مصر التي لم تكن تخضع لسلطات السلطان.
ترك الكواكبي عدداً من المؤلفات أشهرها اثنان: «أم القرى» و«طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» ويكفي أن نلقي نظرة على عناوين فصول كتابه «طبائع الاستبداد» لنتبين كم كان شاملاً ودقيقاً في تعرية الاستبداد: ما هو الاستبداد، الاستبداد والدين، الاستبداد والعلم، الاستبداد والمجد، الاستبداد والمال، الاستبداد والأخلاق، الاستبداد والتربية، الاستبداد والترقي، الاستبداد والتخلص منه. وهذه مقتطفات من مقدمة الكتاب الطويلة:
إن السياسة علم واسع جداً يتفرع إلى فنون كثيرة. وقد جاء في كل الأمم المترقية علماء سياسيون تكلموا في فنون السياسة ومباحثها استطراداً في مدونات الأديان أو الحقوق أو التاريخ أو الأخلاق أو الأدب. وإني أرى أن المتكلم في الاستبداد عليه أن يلاحظ تعريف وتشخيص الاستبداد: ما هو الاستبداد؟ ما سببه؟ ما أعراضه؟ ما سيره؟ ما إنذاره؟ ما دواؤه؟ ماهي طبائع الاستبداد؟ لماذا يكون المستبد شديد الخوف؟ لماذا يستولى الجبن على رعية المستبد؟ ما تأثير الاستبداد على الدين والعلم والمجد والمال والأخلاق والترقي والتربية والعمران؟ من هم أعوان المستبد؟ هل يُحتمل الاستبداد؟ كيف يكون التخلص من الاستبداد؟
الاستبداد اصطلاحاً هو: تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة، ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات خاصة، لأنها مظاهر أضراره التي جعلت الإنسان أشقى ذوي الحياة. وأما تحكم النفس على العقل، وتحكم الأب، والأستاذ، والزوج، ورؤساء بعض الأديان، وبعض الشركات، وبعض الطبقات، فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع الإضافة.
لا نعرف كتاباً شرح الاستبداد بالتفصيل كما فعل الكواكبي، كعالم الطب الذي يشرح لطلابه الجسد.

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين