كتاب وأراء

عـبــاءة الآبـاء الأدبية

قبل حوالي عقد من الزمن كتب صحفي سوري مقالاً تحت عنوان (نحن أبناء الشوارع)، يتحدث صاحب المقال في مقاله عن العائلات الفنية والثقافية في سوريا، مهاجما إياها باعتبار أن أبناء الفنانين والكتاب الذين أصبحوا كتاباً أو فنانين، هم وارثو المهنة، إذ أتتهم هذه المهن على طبق من ذهب، كما اعتبر وقتها صاحب المقال، الذي لم يوفر أحداً من أبناء هذه العائلات من هجومه، واصفاً إياهم بقليلي أو معدومي الموهبة، وتتاح لهم الفرص والمنابر بينما تقصى المواهب الحقيقية التي لم تخرج من عائلات فنية أو ثقافية، مسمياً هؤلاء بأبناء الشوارع، أي الذين شقوا طريقهم دون مساعدة أحد، يومها استدعت نبرة الهجوم في المقال الكثير من الردود المعترضة والمؤيدة له، مسبباً عداوات بين أبناء الكار الواحد في سوريا.
ويبدو أن الانتماء إلى عائلات فينة أو ثقافية تحول لدى بعض السوريين إلى تهمة لا تسقط بالتقادم، ولا يسقطها أيضا أن هؤلاء الأبناء أصبح لكل منهم اسمه المستقل، أو أثبت حضوره على الساحة العربية وربما العالمية، وأنهم أيضا قد أصبحوا آباءً وأمهات لأبناء كبروا بمستقبل سوري مغلق تماما، ومن شق طريقه منهم فقد شقه بصعوبة بالغة، كما أن من نصبوا أنفسهم قضاة على زملاء لهم وحاكموهم بتهمة الانتماء إلى عائلات ثقافية، أصبحوا هم أيضا آباء لأبناء كبروا واختاروا مهناً مشابهة لمهنة آبائهم، ومع ذلك ظلت التهمة ضد الآخرين قائمة، ومازال البعض يكتب ضدهم بوصفهم أبناء آبائهم لا بوصفهم كتاباً أو فنانين لهم ذواتهم المكتملة والخارجة عن عباءة عائلاتهم لا منها.
والحال أن ظاهرة وجود عائلات فنية وثقافية ليست سورية فقط، ولا هي عربية، بل هي ظاهرة عالمية، إذ ثمة الكثير من العائلات الفنية والثقافية في العالم، ليس المخرج السويدي الشهير إنغمار برغمان وابنته الممثلة المعروفة آنا برغمان سوى إحدى هذه العائلات، لهذا يظهر الاستهجان لهذه الظاهرة كنوع من الكيدية أو عداوات الكار، وفي الوضع السوري الحالي يأخذ الأمر أبعادا أخرى ذات أبعاد خطيرة في ظل الانقسامات المهولة التي يعيشها السوريون حاليا، من الانقسام حول الثورة والنظام إلى الانقسام الطائفي والمذهبي مرورا بالمناطقي والقومي، انقسامات شاقولية وأفقية ستجعل من ظاهرة عادية أمراً ذا دلالات سياسية وثقافية عميقة.
وإذا ما ناقشنا الظاهرة فسوف نرى أنها ظاهرة لا تستحق كل هذا الهجوم، فمن الطبيعي أن يتأثر الابناء بمهن آبائهم وأمهاتهم، ويختاروا نفس المهن أو مهناً مشابهة، فلما لا يكون ابن الرسام رساماً مثلا وهو ينشأ بين الألوان والخطوط واللوحات وكل ماله علاقة بالفنون، وكذا ابن الكاتب، سينشأ بين الكتب، وفي وسط ثقافي سيتأثر به، قد يختار مهنة أخرى ولكن سيبقى تأثير نشأته عليه مهما ابتعد عن هذه المهنة، والغريب أن المنتقدين لا ينتبهون، أو يتجاهلون، أن معظم ابناء الأطباء اختاروا مهنة الطب، وأبناء المهندسين اختاروا مهنة الهندسة، والمحامين كذلك، حتى أبناء الحرفيين يصبح معظمهم حرفيين أيضا، وهو أمر طبيعي خصوصا في بلاد العالم الثالث حيث المجتمع لا يساعد على استقلالية الأبناء، وتركهم لتجريب ما يشاؤون قبل الاقتناع الكامل بما يريدون أن يصبحوا عليه، وكذلك النظام التعليمي في هذه البلاد، هو تعليم تلقيني لا يترك للتلميذ حرية التفكير والتحليل وبالتالي حرية الاختيار، في مجتمعات كهذه غالبا ما يختار الأهل مهن أبنائهم منذ الطفولة، على الأقل في العائلات الفنية والثقافية ثمة مساحة أوسع لحرية الاختيار بحكم أن هذه المهن أكثر انفتاحا على العالم وقبولا بالتجريب، عدا عن أن ما لا يعرفه المنتقدون أن أبناء الكتاب والفنانين الذين امتهنوا المهنة نفسها يبذلون جهودا مضاعفة لتحقيق أسمائهم الشخصية بعيدا عن أسماء عائلاتهم، كي لا تحضر المقارنة بين الآباء والأبناء، وكي لا يذكر الابن بأبيه، وهو أمر، لو يعلم المنتقدون، شاق جدا، فالخروج عن عباءة الآباء وقتلهم في مجتمعات أبوية وقبلية ليس بالأمر السهل، يدفع الخارجون عنه أثمانا باهظة مع الاعتراف بما يقدمه الانتماء لهذه العائلات من تسهيلات لوجستية في النشأة الأولى.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران