كتاب وأراء

واقع العلاقات القطرية ــ الفرنسية

مثلت زيارة أمير دولة قطر الأخيرة إلى فرنسا مؤشرا هاما لا يقتصر على توضيح واقع العلاقة بين البلدين بل إنه يضيء كثيرا من الملفات الإقليمية التي لا تكاد تنفصل عن هذه العلاقة. بمعنى آخر فإن قراءة الزيارة في إطار علاقة ثنائية بين بلدين لا يكشف كل الدلالة عن طبيعتها وتوقيتها ومختلف التصريحات الرسمية التي حفت بها.
فرنسا قوة عسكرية وصناعية ولاعب دولي بارز في العلاقات الدولية التي تحكم أوروبا من ناحية وتلقي بظلالها على المنطقة العربية من المشرق العربي وصولا إلى المغرب الكبير. أما دولة قطر فلاعب إقليمي ودولي نوعي تمكن في فترة قصيرة من الزمن من التحول إلى قوة صاعدة كلفته كثيرا من المواجهات المباشرة وغير المباشرة آخرها الحصار المضروب على الدولة برّا وبحرا وجوا.
تربط دولة قطر بفرنسا علاقات متينة تطورت في الفترة الأخيرة إلى علاقة نوعية لا تقتصر على الاستثمارات وعلى صفقات الأسلحة فقط بل تجلت أيضا في واجهات ثقافية وعلمية ودبلوماسية كثيرة. هذا التنوع في مستويات العلاقة بين البلدين هو الذي يفسر نوعية التغطية الإعلامية الرسمية وغير الرسمية للزيارة الأخيرة. فأغلب التغطيات والتقارير بشقيها التحليلي والإخباري أكدت ضرورة توثيق العلاقة بين البلدين والمحافظة عليها لأن قطر تعد اليوم فاعلا وشريكا أساسيا في كثير من الملفات والقضايا. هذا التطور النوعي في العلاقة بين البلدين يُفسر أيضا بنجاح قطر وقدرتها على تحويل الحصار المضروب عليها إلى فرصة نادرة حققت بها نقلة دبلوماسية نوعية في علاقاتها الخارجية. فقد أشادت أغلب الصحف الفرنسية بصمود دولة قطر أمام الحصار الذي وصفه أحد كبار الإعلاميين بأنه «مغامرة غير عقلانية أدت إلى نتائج عكسية» وهو تعاطف يفسّر بالطابع العدواني للحصار الذي بُني أول ما بُني على جريمة قرصنة.
عرّجت كثير من الصحف الفرنسية على تهمة الإرهاب التي حاولت دول الحصار وأبواقها إلصاقها بصورة قطر من أجل تبرير عزلها إقليميا ودوليا لكن دون جدوى بل إنها أكدت مشروع التعاون الوثيق بين إدارة الرئيس ماكرون ودولة قطر في محاربة الإرهاب وتجفيف منابعه ومنابع تمويله. تنظيم كأس العالم لم يكن غائبا عن التغطية الإعلامية الفرنسية التي تناولت الأسباب التي دفعت جيران قطر إلى محاولة عزلها بعد نجاحها في تنظيم التظاهرة الرياضية الأبرز عالميا. العلاقات القطرية الفرنسية اليوم هي أقوى وأوثق مما كانت عليه قبل الحصار وهو نجاح يعود إلى عاملين أساسيين: سذاجة المحاصِرين وفطنة المحاصَر وعدالة قضيته.

بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد