كتاب وأراء

الطبع غالب!

يُحكى أن العقرب طلب يومًا من الضفدع أن ينقله على ظهره إلى الضفة الأخرى من النهر.
فقال له الضفدع: أمجنون أنا حتى أحملك على ظهري فتغرس سمك في جسدي؟!
فقال له العقرب: كيف ألسعك وأنا على ظهرك فوق النهر، أأقتلك وأغرق؟!
وافق الضفدع، وحمل العقرب على ظهره، وهما في منتصف الطريق صوّب العقرب إبرته ولسع الضفدع، وأعمل سمه فيه.
فالتفت إليه الضفدع وهو ينازع، وقال له: لم فعلت هذا ما دمت ستغرق وتموت معي؟
فقال له: الغدر طبعي، والطبع غالب!
الحديث اليوم ليس عن العقارب والضفادع، وإنما عن الطباع، وتعليل الطباع في الناس ليس أمرًا ميسورًا، طالما شغلني فهمه، ولم أجد في علم النفس ضالتي المنشودة، رغم أني قرأت فيه كثيرًا، وليست الحال في علم الاجتماع أكثر وضوحًا، فلا يوجد علم يمكن أن يشرح لماذا يوجد شخصان أحدهما هادئ، والآخر عصبي حاد رغم أنهما جاءا من نفس الأم والأب، ويعيشان تحت سقف واحد، ويتلقّيان التربية ذاتها، فلماذا أحدهما كريم، والآخر بخيل شحيح، ولماذا أحدهما اجتماعي، والآخر منعزل منطوٍ، لماذا الناس كما قال الله في الشجر والثمر: «يُسْقَى? بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى? بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ، إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون»؟.
لم أجد تفسيرًا شافيًا، ولا إجابة وافية إلا في الدين.. ففي البداية لابن كثير، والطبقات لابن سعد، ومسند أحمد، وصحيح ابن حبان أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَيْنَ ذَلِكَ».
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأشجع عبد قيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة!
فقال الأشجع: أجُبلتُ عليهما أم تخلّقتُ بهما؟
قال: بل جُبلت عليهما!
لا إجابة أوضح، ولا تعليل أشفى من هذا، إنها أصل الخِلقة، فكما تراب الأرض فيه الكريم الذي يهيج بالزرع، والآخر العقيم الذي لا يُخرج نبتًا مهما صببت فيه من ماء. هكذا هم الناس، أخذوا ألوانهم وطباعهم من التراب الذي خلقوا منه!
هذا الجواب يطرح سؤالاً منطقيًا: ما دام الناس قد جُبلوا على طباع معينة، فلماذا يُحاسب الله الناس على شيء خلقه فيهم؟! ولماذا يُمدحُ الهادئ ويُذمُّ العصبي؟ ولماذا يُحمدُ الكريمُ ويُكره البخيل؟ مع أن الجميع يسير في الحياة وفقاً لما جُبِل عليه؟!
علينا أن نفهم أن كل ما في الحياة رزق من الله، المالُ، والأولاد، والشكل، والعقل! وأنه سبحانه فاوت بين الناس في الأرزاق، لا عن عجز منه أن يجعلهم سواء، ولكنها دار امتحان يريد الله أن يرى الذي أُعطي أيشكر؟ والذي حُرم أيصبر؟ وقد مضى عدله سبحانه أن لا يّثيب على ما أعطى، ولا يعاقب على ما أخذ! فلن يدخل الجنة أو النار رجل بمال كثير أعطيه، وإنما بطريقة جمع المال وإنفاقه، ولن يدخل الجنة أو النار رجل حُرم المال، وإنما بصبره أو تسخطه، وباكتسابه بالحلال أو بالحرام، فلا الوسيم أحب إلى الله من الدميم، ولا الصحيح أحب إليه من السقيم، ولكنه امتحان.
وكما الأعطيات المادية امتحان، كذلك الأخلاق امتحان والخُلق السيئ في الإنسان جِبلة لا يبرر أن ينساق الإنسان له، فالدنيا دار مجاهدة، والأجر على قدر الجهاد! وكما جاء في الحديث: «إنما العلم بالتعلّم، وأنما الحلم بالتّحلّم» فالإنسان فيه إرادة إلى جانب الطبع والفطرة، وعليه بإرادته، أو يجاهد طبعه، وإن كنا على سبيل المثال متفاوتين في الطباع، فكلنا فينا شهوة، فهل تبرر الشهوة الزنى؟! أو يبرر حب المال السرقة؟! لا يقول بهذا عاقل، وهذا كذاك!

بقلم : أدهم شرقاوي

أدهم شرقاوي