كتاب وأراء

نتائج اجتماع الخماسية الدولية.. والتحول الأبرز في العلاقات الدولية «1-2»

الخماسية الدولية تعزل أميركا في معركة الحفاظ على التزام العالم بالاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هذا ما يمكن أن نستنتجه من الاجتماع الخماسي للدول الموقعة على الاتفاق وهي روسيا، الصين، بريطانيا، ألمانيا وفرنسا، التي اجتمع وزراء خارجيتها بحضور وزير الخارجية الإيرانية ومسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، لتقرير مدى استعداد الاتحاد الأوروبي الالتزام بتطبيق الاتفاق وترجمة ذلك إلى خطوات عملية تقطع الطريق على قرار واشنطن تدمير الاتفاق عبر فرض عقوبات اقتصادية ومالية على إيران وكل شركة دولية ترفض الانصياع لمثل هذا القرار وتستمر في التعامل مع إيران.
من يدقق في نتائج الاجتماع الخماسي، بدلا من الاجتماع السداسي، الذي كان يضم أميركا، يتبين له عدة نتائج هامة تشكل نجاحا للدبلوماسية الإيرانية من ناحية، وضربة موجعة للسياسة الأميركية التي أرادت أن تجر الدول الأوروبية وراءها بإجبارها على الخروج من الاتفاق النووي والالتزام بفرض الحصار الاقتصادي والمالي على إيران، وهذه النتائج يمكن تلخيصها بالآتي:
النتيجة الأولى: نجاح طهران في دفع الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي في حسم موقفها من مسألة استعدادها مواصلة الالتزام بتنفيذ الاتفاق وبالتالي تأمين كل الضمانات العملية التي تترتب على ذلك. وتجلى ذلك في البيان الذي صدر عن اجتماع القوى الخمس الكبرى المشاركة في الاتفاق النووي بعد مفاوضات مع ممثلين عن إيران في فيينا والذي أكد التزام هذه الدول بتنفيذ كامل وفعال لجميع بنود الاتفاق النووي وبذل جهود مشتركة للحفاظ عليه. وقد تضمن البيان الختامي الصادر عن الخماسية الدولية عددا من البنود الهادفة لحماية الاتفاق وتعويض طهران عن الخسائر المترتبة على انسحاب الولايات المتحدة منه، وأهمها:
– مواصلة توريدات النفط والمنتجات النفطية والبتروكيميائيات والغاز من إيران.
– حماية مصالح الشركات المستثمرة في إيران من التبعات الناجمة عن العقوبات الأميركية، لاسيما الثانوية.
– دعم وتعزيز العلاقات الاقتصادية – التجارية مع إيران وتوسيع نطاقها.
- الحفاظ على القنوات المالية الفعالة مع إيران ودعمها.
- العمل مع الشركاء الدوليين لإنشاء آليات لحماية الروابط الاقتصادية مع إيران.
- دعم عملية تحديث مفاعل «آراك» وتحويل منشأة «فوردو» إلى مركز نووي وفيزيائي وتكنولوجي.
- تحل بريطانيا محل الولايات المتحدة بصفة الرئيس المشارك (إلى جانب الصين) في فريق عمل لتحديث مفاعل «آراك»” للأبحاث.
- تحديث ولاية بنك الاستثمار الأوروبي من أجل مواصلة الإقراض الخارجي لإيران التفافا على العقوبات الأميركية السارية.
- استمرار التعاون مع إيران في مجال المواصلات البرية والبحرية والجوية.
وفي حال تم تنفيذ هذه البنود فإن ذلك سوف يقنع إيران بجدوى مواصلة الالتزام بالاتفاق طالما أن مصالحها قد جرى احترامها وتأمينها.
النتيجة الثانية: تحول الخماسية الدولية لتكون أول إطار دولي يضم الدول الكبرى المؤثرة من دون الولايات المتحدة الأميركية، التي أصبحت في مواجهة مباشرة، ليس فقط مع الصين وروسيا، وإنما أيضا مع الدول الأوروبية الحليفة لها والتي جعلها، موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالخروج من الاتفاق النووي، في مواجهة مباشرة معه لأنه لا يحترم الالتزامات الدولية من جهة ولا يأخذ بالاعتبار مصالح أوروبا من جهة ثانية.ولا حتى يستشيرها من جهة ثالثة. هذا الوضع الدولي يحصل للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ونشوء الحلف الأميركي الأوروبي في مواجهة الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية.
النتيجة الثالثة: تدشين أول خطوة عملية في طريق كسر النظام الاقتصادي والمالي الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. فأهمية هذه الخطوة تكمن في أنها تأتي في لحظة دولية فاصلة تسعى فيها مجموعة دول البريكس بقيادة روسيا والصين إلى تأسيس نظام دولي اقتصادي ومالي جديد يضع حدا لنظام الهيمنة الأميركي.
النتيجة الرابعة: وضع أميركا في ما يشبه العزلة الدولية. فهذه هي المرة الأولي التي تقف فيها الدول الكبرى بما فيها أوروبا في ضفة، وأميركا في ضفة أخرى، كون الأخيرة تعمل على الضرب عرض الحائط مصالح هذه الدول مجتمعة.
النتيجة الخامسة: حصول الجمهورية الإسلامية الإيرانية على ما يشبه الإجماع الدولي في التصدي للحصار الأميركي الذي يسعى ترامب إلى فرضه على إيران، فهذا الموقف الدولي يمكن إيران من مواصلة تصدير نفطها وبالتالي الحصول على عائداته من العملات الأجنبية، وقد جاء موقف الهند ليعزز موقف الخماسية الدولية حيث أعلن وزير خارجيتها دارمنرا برادان أن «العقوبات الأميركية تشكل تحديا وأن مصالحنا الوطنية تأتي في الأولوية وقرارنا سيكون وفقا لها». هذا الموقف الهندي إضافة لموقف الاجتماع الخماسي، يجعل مهمة ترامب لفرض الحصار النفطي على إيران مهمة صعبة التحقق لاسيما وأن أحد الرهانات الأميركية في بلوغ هدفه هو استمالة الهند وإجبار أوروبا على الالتزام بقراره.
النتيجة السادسة: إن التمرد الأوروبي على القرار الأميركي للسير في العقوبات ضد إيران، ساعد عليه إعلان ترامب الحرب التجارية ضد الدول الأوروبية، وهو ما دفع الأخيرة أيضا إلى الاقتراب أكثر من الصين لتوطيد علاقاتها معها في مواجهة هذه الحرب. وتجلى ذلك في الزيارات المتبادلة للمسؤولين الصينيين والأوروبيين وآخرها زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني لي كيكيانغ إلى ألمانيا والذي أوضح أن تبادل الزيارات «تعكس العلاقات الجيدة بين البلدين وتطلعاتهما المشتركة لتعاون أوثق».
يتبع

بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي