كتاب وأراء

كــثــيـــراً مــا نــقــــرأ

كثيراً ما نقرأ في تراثنا الأدبي كلمة «سقط» إذ نقرأ عندما نعود إلى فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة أبي العلاء المعري «سقط الزند» وهو أول دواوينه، وأقل وعورة من ديوانه المعجز «لزوم ما لا يلزم» ويُعرف باسـم اللزوميات، حيث ألزم نفسـه بثلاثـة حروف في آخر البيت. ولكننا نقرأ أيضاً «سقط المتاع» فما علاقة هذا بذاك؟ وهل هما واحد؟
كان المعري دقيقاً في اختيار عناوين كتبه، فعندما كتب عن المتنبي – وكان يجلـّه ويراه أعظم الشعراء – سمّى كتابه «معجز أحمد» وهو أحمد بن الحسين أي المتنبي، فكأنه يقول إن المتنبي أتى بمعجزة في شعره، وعندما كتب عن البحتري، سمّى كتابه «عبث الوليد» واسم البحتري الوليد بن عبيد الطائي، مع أنه ينسب إليه أحياناً القول «المتنبي وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري» ولذلك سمّى ديوانه الأول «سقط الزند»
و»الزَنـْد» حديدة يُضرب بها حجر (هو في الغالب من الصوان) فتقدح شرراً يصيب قطعة من القطن أو من قماش مخصص لذلك، فتشتعل، ومنها يشعلون النار، وكان قبل ذلك من الخشب، فهما خشبتان، واحدة فيها فرضة، وباحتكاكهما تنتج النار، وأما «السَّـقـْط» فهو الجنين يسقط من بطن أمه قبل تمامه، وذكرت الكلمة بضم السين وكسرها. و»سَـقـْط الزند» ما يقع من النار حين يُقدح الزند، قبل أن تشتعل الصوفة. هذا عن «سقـْط الزند» فماذا عن سقط المتاع؟
»السَقـَط» ما تسقطه فلا تعتد به من الجند والقوم ونحوه، والسقط رديء المتاع، وسـَقـَط الطعام: ما لا خير فيه، و»المتاع» كل شيء ينتفع به، و»السُـقاطات» من الأشياء ما يُتهاون به من الطعام والثياب ونحوها، وقال بعض اللغويين: إن جمع سقط أسقاط، نحو الإبرة والفأس والقِدر ونحوها. وأسقاط الناس: أوباشهم، ولاحظوا الربط العبقري، فكأن هؤلاء مما لا يُعتد به وليست له قيمة.
ويذكرنا هذا بالقول «متاع الغرور» وقد عرفنا المتاع، فما الغرور؟ ورد تعبير «متاع الغرور» مرتين في القرآن الكريم في سورة آل عمران «وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» (185) وبالصيغة نفسها في الآية 20 من سورة الحديد، ووردت الكلمة بفتح الغين الغـَرور، وهو الشيطان الرجيم. أما في الآية فإن المعنى واضح: إن لذات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينة، ليست إلا متعة يزينها الغرور والخداع. والغرور مصدر من غرّني يغرّني غروراً. وقد اكتسبت الكلمة حديثاً معنى آخر، وهو الإعجاب بالنفس إلى حد التيه، ومنه «المغرور» وهو اسم مفعول قام مقام اسم الفاعل، وهي صفة تطلق على من أصابه الغرور، ومن صفات المبدعين التواضع وليس الغرور.
وعلى صلة بهذا نقرأ كلمة «الأغرار» وعندما يذهب الشباب إلى الخدمة العسكرية الإلزامية يسمونهم «الأغرار» والمفرد غرّ بكسر الغين، والأنثى غر أيضاً، فلا يؤنث، حسب المعاجم القديمة، لكنهم تساهلوا فيما بعد وقالوا «غِرّة» أما إذا كانت بضم الغين «غُرة» فإن لها معاني أخرى، غُرّة كل شيء أوله، لذلك نقول «غرة شهر رمضان المبارك» أي اليوم الأول من الشهر الكريم، ونقول: ثلاثة أيام غُرر: أي الأيام الثلاثة الأولى من الشهر. وتقول العامة «الغُرّة» ويعنون بها شعر مقدم الرأس، وفي الغناء كثير من الحديث عن «أبو غرة» وهذا غير صحيح، فهذه تسمى «الناصية» وكان الفارس قديماً إذا أسر رجلاً يكتفي بجزّ ناصيته ثم يطلق سراحه تكرماً، وقد تسمى «الوفرة» وهي ما بلغ شحمة الأذن من الشعر، أما «الطـُرّة» فهي ما غشّى الجبهة من الشعر، و»الجُمّة والغفرة» ما غطى الرأس من الشعر، وقد اشتهرت سكينة بنت الحسين بن علي رضي الـلـه عنهم بتصفيفة خاصة لجُمّتها، فانتشرت موضة هذه التصفيفة حتى قلدها فيها الشباب وسميت «الجمة السكينية».
لكن الغرة في الأساس بياض في جبهة الفرس، ويسمى في هذه الحالة «الأغر والغراء» وكله مأخوذ من البياض، وكانوا قبل سنين طويلة يحبون التفخيم في الخطب والإنشاء، فيقولون: في هذه الليلة (أو المناسبة) الغراء. وكان من المعتاد أن من يرسل إلى صحيفة ما رسالة قد تتضمن مادة يود نشرها يكتب (إلى صحيفة.... الغراء).
نقرأ أو نسمع في الأخبار وصف الحادث بأنه «مريع» وقد يصفون جريمة ما بأنها «مريعة» وغالباً ما يكون هذا الوصف في الجرائم الجماعية «ووقعت مجزرة مريعة» ومريع ومريعة صفة مشتقة من الفعل «أراع» لكن المشكلة أن هذا الفعل لا وجود له في المعجم، وما نجده فعل «راع» نقول: راعه يرُوعه روعاً أي أفزعه، والرَوع هو الفزع، والروعة: المرة الواحدة من الروع، وفي الحديث الشريف «اللهم آمن روعاتي» لكننا نقرأ: كل شيء يروعك منه جمال وكثرة فهو رائع، وراع الشيءُ فلاناً: أعجبه، وقالوا: الروعة المسحة من الجمال، ولذا نقول: إنه منظر رائع، وإنها رائعة الجمال، والروعة: الجمال الرائق. والرُوع: القلب، وهنا نقرأ التعبير العربي: أفرخ رُوعُه، ونقول: أفرخت البيضة إذا خرج الفرخ منها، وهكذا أفرخ القلب الفزع، أي خرج منه الفزع. ونعود إلى وصف الجمال بالرائع وهو الذي يعجب رُوع من يراه فيسرّه. فالروع إذن الفزع، وراعني: أفزعني، وراعني جمالها: أي أدخل الفزع في قلبي هيبة لها. وكل جميل فائق الحسن رائع ورائعة.
الأبشع من هذا وصف الجميل والمتفوق والمتميز بأنه «فظيع»، وأذكر أننا كنا في جلسة وتحدثوا عن مسلسل تليفزيوني كان يعرض يومها، فقالت إحداهن عن ممثلة في المسلسل «منى واصف»: لقد فظـّعت في المسلسل، فقلت: لقد شتمتها وأنت تريدين مدحها، وأراد أحدهم أن يشيد بقدراتي اللغوية فقال: إن لغتك فظيعة، فقلت: أشكر لك هذه الشتيمة.
فظع الأمر (بفتحة فضمة) يفظـُع فظاعة فهو فظيع: اشتد وشنُع وجاوز المقدار، أو اشتدت شناعته، ويكون فظيع بمعنى شنيع. وأفظِع الرجل: إذا نزل به أمر عظيم مُبرِّح. وفظِع بالأمر فظاعة: إذا هاله وغلبه ولم يُطِقه. فهل نقول عن قصيدة رائعة المبنى والمعنى إنها «فظيعة» أي شنيعة؟ وهل نقول عن ممثل أجاد التمثيل: لقد فظـّع في هذا الفيلم أو المسلسل؟ وصيغة «فظـَّع» للمبالغة مثل: ضرَب وضرَّب، وقتل وقتـَّل، وعرض وعرَّض.
لا أخدع نفسي فأحسب أن ملاحظة (أو مداعبة) مني ستوقف الخطأ. من هذه الملاحظات ما نبهنا إليه مراراً حول استعمال «منذ» وهي مكونة من جزءين: «من وإذ» وبمعناها أيضاً «مذ» وكلتاهما من حروف المعاني، فتقول: ما رأيته منذ عشرين عاماً، ورأى بعضهم أننا نكتفي بها، فنقول: أمارس الكتابة منذ ثلاثين عاماً، وهذا يعني أنك ما زلت مستمراً في الكتابة، ورأى آخرون أن نقول: أمارس الكتابة منذ عشرين حتى الساعة، وأنا مع الرأي الأول. والخطأ أنهم يوردونها حيث لا استمرارية، فتقرأ: تخرجت في الجامعة منذ عشر سنوات، وفعل التخرج حدث مرة ولا يستمر، ففي هذه الحالة تقول: تخرجت قبل عشر سنوات.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين