كتاب وأراء

العين الأخرى التي ترى

حدثتني صديقة تعمل كمصورة ضوئية عن أهمية اللحظة في التقاط الصورة، وكيف أن عين المصور يجب أن تعرف متى بالتحديد يمكن التقاط هذه الصورة أو تلك، فالمشاهد واللقطات موجودة دائما ومتاحة والعين البشرية تراها بشكل صريح، توثيق المشهد المختار ووضعه في إطار زمني محدد هو المهم في اللقطة، مع توافر قدر كبير من الحساسية لدى المصور لالتقاط ما لا تلتقطه العين، فالهدف من التصوير الفني، وهو ما يختلف عن التصوير المهني العادي، هو خلق صورة أخرى خلف المشهد، أي التقاط المشهد الخفي ذي الدلالة الأخرى، الدلالة التي يراها حدس الفنان وثقافته ليتمكن، حين عرض الصورة على المتلقي، أن ينقل له هذا الحدس، في حالة من التواطؤ غير المعلن بين الفنان ومتلقيه، لرؤية الصورة الأخرى، الصورة التي تكمن خلف اللقطة، التي لا يراها أحد، إلا إذا كان محملا أصلا بثقافة بصرية مختلفة، أو ثقافة قائمة على تراكم معرفي وخبرة معاشة في تفاصيل الحياة، أو يمتلك باصرة استثنائية، ومالكو الباصرة هذه هم قليلون جدا في الحياة، عباقرة التصوير الضوئي في التاريخ هم من أصحاب هذه الباصرة، خصوصا في المراحل الزمنية القديمة، أي قبل التطور المذهل في تقنيات التصوير، حيث بات بإمكان الجميع اللعب بأية صورة وتحويلها من صورة عادية إلى صورة فنية، عن طريق الفوتشوب وتقنيات أجهزة الهواتف الذكية المختلفة.
في الرسم الانطباعي الذي يشبه التصوير إلى حد كبير، يبدو الأمر مشابها، فكثيرا ما تساءلت عن مغزى نقل المشهد كما هو تماما بالواقع ليصبح لوحة مرسومة على قماش وملونة بنفس ألوانها الطبيعية! غير أن ثمة شيئا آخر وراء اللون ووراء الخطوط وتكويناتها وتكوين اللوحة عموما، وهو ما علمتني إياه سنوات من الاهتمام بالفن التشكيلي كغاوية تتبع أثر اللون، هذا الشيء هو حساسية عين الرسام التي ترى في اللون ظلال أخرى لا تراها عين المشاهد العادي، فإذا ما قارنا بين لوحة إنطباعية ما وبين الصورة الأصلية سنرى فعلا ظلالا للألوان في اللوحة لا نراها في الصورة، إذ أن عيننا ترى المشهد بحاسة النظر العادية، كما هو، دون الاعتماد على الخيال في تأويل الصورة، الرسام يرى المشهد نفسه لكنه ينعكس في رؤيته ليستند على ثقافة تخييلية تمنح من تجلياتها دلالات جديدة ومختلفة للمشهد، أيضا يجب أن يحصل تواطؤ بين الفنان التشكيلي ومتلقيه بحيث يتمكن الفنان أن ينقل الخيال نفسه إلى المتلقي ليرى باللون ما لا ليس موجودا بالمشهد الأصلي.
ولعل أسوأ مديح يمكن أن يقال للرسام الإنطباعي هو التالي: «رائع تبدو اللوحة كأنها تصوير وليست رسما»، فالمدح هنا هو لحرفية الفنان، أما السوء برأيي فهو أن المادح لم يستطع أن يرى باللوحة سوى مشهد عادي، لم ير ما يجب أن يراه! هل المشكلة هنا تكمن لدى الرسام أم لدى المتلقي نفسه؟! ليس من السهل الإجابة عن سؤال كهذا، فعلاقتنا، كشعوب العالم الثالث، بالفنون البصرية علاقة فردية جدا بل تكاد تكون نخبوية إلى حد كبير.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران