كتاب وأراء

قراءة في تصريحات «الشيخ راشد الشرقي» لصحيفة «نيويورك تايمز»

«دولة السعادة» لا تسعد نجل حاكم الفجيرة

«دولة السعادة» لا تسعد نجل حاكم الفجيرة

لا شيء يثير الدهشة في المنطقة، بعد الأزمة الخليجية، سوى المواقف غير المنطقية، التي يتبناها وزير الدولة للشؤون الخارجية بدولة الإمارات، ويظهرها في تغريداته، التي تعكس حالة «الربشة» في سياسات دولته!
.. وآخـــرهــــا ما أطلقه قبل أيــام، تعليقاً على الحوار المثير، الذي أجرته صحيفة «نيويــــورك تايمــــز» الأميـــركيــة، مع الدكـــتور الشــــيخ راشــد بــن حمـــد الشــرقـــي، نجـــــل حاكــــم الفجـــيرة، بعد انشـــقاقـــه عــــن الــــدولة الاتحــــاديـــــة، وخــــروجــــه منها، احتجاجاً على تحكم أبوظبي في قراراتها وسياساتها ومساراتها.
.. ولو كان أنور قرقاش يحترم الرأي الـــعـــــام الإماراتي، بكل فـــئاته ومكـــونــــاته، وبكل «حقوق المواطنة»، التي يفترض أن تكون مكفولـــــة في الإمارات السبع، لـــبادر بتوضــــيح الملابسات والمسببات، التي دفعت واحداً من شبابها المثقف إلى الانشقاق عن دولته!
.. وعندما نعلم أن الشيخ المنشق المولود عام 1987، الذي ينتمي إلى «أهل البيت الحاكم» كان يتولى إدارة «هيئة الثقافة والإعلام» في إمارته، سندرك القيمة الإضافية لتصريحاته، خاصة أنه يحمل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة «لندن متروبوليتان»، وماجستير في التمويل والاستثمار من الجامعة ذاتها، وبكالوريوس في الإدارة العامة من جامعة «ويبستر» في المملكة المتحدة، مما يعني أنه يتمتع بكامل الأهلية، ويحمل مـــــؤهلات علمـــــية عالية، وشهادات أكاديمية مرموقة.
.. وكنا ننتظر من قرقـــاش بصفـــته الـــوزارية، أن ينفي خبر انشقاق نجل حاكم الفجيرة، المتذمــــــر من ســـياســـات أبوظبــــي، أو يوضحـــه، أو يصحــحه، خاصة أنه منشور في صحيفة أميركية مرموقة، صدر العدد الأول منها عام 1851، قبل تأسيس دولة الإمارات بحوالي 120 عاماً.
.. وما من شك في أن هذه الصحيفة العريقة، لها ثقلها في الداخل الأميركي، ولها تأثيرها على الرأي العام العالمي، ولعل سر نجاحها مصداقيتها، وهي لا تنشر أخباراً كاذبة، ولا تجري حوارات وهمية، وتعتبر مصدراً إخبارياً موثوقاً للأحداث الجارية، ليس على مستوى الولايات المتحدة فحسب، بل جميع أرجاء العالم.
.. والأمر الآخر أن هذه الصحيفة لا تصدر في اليمن أو قطر أو تركيا أو إيران، وهي ليست محسوبة على «الإخوان»، ولا تروج «الفكر الإرهابي»، ولا تعكس في افتتاحياتها «الأيديولوجيات المتطرفة»، التي تتحسس منها أبوظبي!
.. وهي لا تقبل الهدايا والعطايا، التي توزعها «العاصمة الاتحادية» على عمـــرو أديـــــب، أو جوقة المطبلين لها بحناجرهم، من أمثال أحمد موسى، أو المنافقين الذين يلمعون صورتها بأقلامهم، من نوعية جهــــــاد الخـــازن، أو عبر صحــــــفهم كما يفعل أحــــمد الجارالله، الذي لا يعرف كيف يكتب جملة مفيدة!
.. ولكل هذا، فإن صحيفة «نيويورك تايمز»، عندما تنشر حواراً مع نجل حاكم الفجيرة، يـــــؤكـــد خـــلالـــــــه انشقــــاقه عــــن دولــــة الإمـــــارات، احتــــجاجــــاً على سياسات أبوظبي، فهذا يعني صحة الخبر، ومصداقية الحوار المنسوب للشيخ الدكتور راشد حمد الشرقي.
.. وبدلاً من أن «يصدعنا» قرقاش في تغريداته المرتبكة، عن ذلـــك «المرتبــــك» المزعوم، الذي «يتآمر على الأسر الحاكمة»، ينبغي أن يبادر، بوضع النقاط على حروف، قضية الشيخ الدكتور، الذي انشق عن «البيت الحاكم» في الإمارات.
.. وما من شك في أن وزير الدولة للشؤون الخارجية، في دولة الإمارات، آخر من يتحدث عن «المؤامرات»، التي يتم تدبيرها للإيقــــــاع بالأســـر الحاكمـــة، ذلك أن عاصمته، هي التي تقود المؤامرة الرباعية الكبرى ضد قطر.
.. وهي التي احتضنت حفنة من الخارجين عن القانون في الدوحة، الباحثين عن «السلطان» والصولجــــــان، وهي التي شجعتهم للخــــــروج عـــلى تقالـــيد «البيــت الخليجي»، وهي التي دفعتهم لخيانة أوطانهـــــم، وهــــي التي وفــــرت لهــــــم المنصات الإعلامية للظــــهور عليـــها، وإثارة الفتنة من خلالها.
.. وبدلاً من أن يتحدث قرقاش عما يسميه «السقوط الأخلاقي»، ينبغي ألا ينحدر أكثر في هاوية سقوطه الدبلوماسي، الذي لن يمكــــــنه من التغطيــــة عـــلى «السخط الشعـــبي»، المتصاعد في أوســــــــاط الإمــــارات الشــــمالية، احتــــــجاجـــاً على سيــــاســــات أبــــوظـــبي الأحــــادية، المتحكمة في مسارات الدولة الاتحادية.
لقــــــد اتهـــم نجــــــل حـــاكم الفجيـــرة في حـــواره مع صحيفـــــة «نيـــويـــــورك تايمـــــز» أبوظبي، بالتفرد في اتخاذ القرارات، وتحدث عن وجود خلافات حادة بين الإمارات السبع، بسبب التورط العسكري الإماراتي في اليمن.
.. وكشف أن سلــــطات العاصــــمة لم تستشــــر شركــــاءهــــا في الإمــــارات الأخرى، حول قرار إرسال الجنود إلى جبهات القتال في اليمن، مؤكداً أن أبناء الإمارات الشمالية، وتحديداً الفجيرة، يدفعون إلى الخطوط الأمامية في الحرب، ويشكلون الغالبية في عدد ضحاياها!
كما اتهم الشيخ الدكتور راشد بن حمد الشــــرقي، قيـــادات نافـــذة فــي بلاده بالابتزاز، وغسيل الأموال المنظم، من قبل سلطات لها نفوذها في الدولة!
.. وما مـــــــن شـــك في أن الاتهامات الخطيــــرة، التي وجههـــــا نجـــل حاكـــم الفجيرة، عبر الصحيفة الأميركية الشهيـــــرة، وتجــــــرأ خلالها بالكشـــــف عمـــــا يعتبره ظلماً، يتعرض له أبناء إماراته المهمشة، يتطلب وقفة مصارحة من «قرقاش» بصفته الوزارية، لأن السكوت عن تصريحات الشيخ راشد الشرقي، المنشورة خارج الإمارات، يعني تأكيد مصداقيتها.
.. ويفترض أن يكون هذا التوضيح صـــــادراً من وزارة الخارجيــــة، خاصة أن صـــحيفة «نيويورك تايمز» أشارت إلى أن سفارة الإمارات في واشنـــــطن، رفضت التعليق على تصريحات «الشيخ المنشق»!
.. وأستغرب كيف يلتزم يوسف العتيبة سفير الإمارات في الولايات المتحدة الصمت، تجاه هذه القضية، في حين أنه لا يترك صغيرة أو كبيرة في شؤون قطر إلا ويخوض فيها!
.. ونفس الأمر ينطبق على «أنور قرقاش»، الذي لو وقع حادث مروري في الدوحة، سيبادر بنشر «تغريدة» سلبية حوله، ويقوم بتوظيفه سياسيا !
.. ولهذا يفترض أن يطلـــق سلســـلة من تغريــــداته المسلية، لتوضيح ما نشر في الصحيفة الأميركية، سواء من خلال نفي حالة الانشــــــقاق، أو تبــــرير الأسبـــاب التي دفعت نجل حاكم الفجيرة، لإطلاق تصريحاته الخطيرة.
.. ومع كشف الغطاء عن القضايا المسكوت عنها، التي أثارها الشيخ الدكتور راشد الشرقي، من الطبيعي أن يشعر أبناء الإمارات الشماليــــة بالسخــــط من سياســـات أبوظبي، خـــاصة أن المواقف التي تتخذها عاصمتهم، تندرج في إطار اللامعقول سياسياً، واللامقبول اتحادياً.
.. ولعل أبرز ما تكشفه تصــــريحــــات نجــــل حاكــــم الفجـــــيرة لصحيفة «نيويورك تايمز»، أن البيت الإماراتي ليس متماسكاً من الداخل، بالصورة التي تحاول أبوظبي ترويجها.
كما تكشف تصريحاته، عن وجود أزمة عميقة داخل «البيـــت الحـــاكـــــم»، تؤشر إلى انقسامه رأسياً وأفقياً، وعدم اتفاق مكوناته، على الكثير من القضايا، والملفات والمواقف التي تتبناها أبوظبي في المنطقة.
.. وتأتي قضية نجل حاكم الفجيرة، لتسلط الأضواء الكاشفة على السياسة الأحادية التي تتبعها أبوظبي، القائمةعلى تهميش الإمارات الأخرى، داخل الدولة الاتحادية، حيث يعاني أهالي تلك الإمارات المنسية، حكاماً ومحكومين من المعاملة الفوقية!
.. ويمثل التفاوت في توزيع السلطة، واحداً من أهم القضايا المثيرة للسخط في الإمارات، التي تمثل تحدياً، يلقي بظلاله على تماسك الدولة الاتحادية بكاملها.
.. وعلى سبيل المثال، فإن الوزارات الســــيادية تحتكــــرها أبوظـــبي ودبــــي، أما الإمارات الشمالية، فلا تحصل إلا على الفتات المتساقط من وزارات الخدمات!
.. ونادراً ما تجد وزيراً من الفجيرة، يكلف بتولي حقيبة الخارجية، أو الداخلية، أو المالية، فهذه الوزارات محصورة في قبضة أصحاب النفوذ فقط!
أما الآخرون المهمشون، فليـــــس لهـــم غيـــر «وزارات العومــة» أو «الجـــاشـــع»، وهــــي الأسماك الصغيرة، التـــــي لا يـــــــزيد طولـــها عن (5) سنتــــيمترات، وتشــــتهـــــر بـــــهـــا سواحل الإمارات الشمالية.
.. وتكفي الإشارة إلى أن حاكم الفجيرة الشيخ حمد بن محمد الشرقي، كان يتولى شخصياً حقيبة وزارة «الزراعة والثروة السمكية»، خلال الفترة من 2 ديسمبر 1971، حتى 21 سبتمبر 1974، قبل أن يصبح حاكماً لإمارته، بعد رحيل والده عام 1974، مما يعكس نوعية الوزارات، التي تمنح لأبناء الإمـــــــارات الشــمـالية، الممتـــــدة بساحلها على البحر العماني لمسافة (70) كم.
.. والمؤسف أن الفجيرة، تعتبر الأقل حظاً في خطط التنمية الاتحادية، والأكثر فقراً في مشاريع البنية التحتية، والأقل حظوة في فرص التوظيف!
.. ولا تتفوق هذه الإمـــــارة المهمــــشة على أبوظبـــــي، إلا في عـــدد شـــهدائها، الذين قضوا في حرب اليمن الخاسرة، ضمن العمليات العسكرية، التي تقوم بها الدولة الاتحادية خارج حدودها!
.. ولعل آخر شهداء الفجيرة، الذين ارتقت أرواحهم إلى بارئها في الحرب العبثية اليمنية، الشهيد الرقيب خميــــــس عبــدالله الزيودي، من منطقة «العكامية»، ونظيره العريف أول عبيد حمدان العبدولي، من منطقة «دبا الفجيرة»، رحمهما الله، وأسكنهما فسيح جناته وألهم أهلهما الصبر والسلوان.
.. وبسقوط الشهيد تلو الآخر، من أبناء الإمارات المهمشة، في حرب اليمن المفتوحة على المجهول، باتت أهداف مشاركة أبوظبي في هذه الحرب الخاسرة، غير مقنعة، للرأي العام الذي يتشكل ضدها في الإمارات الشمالية.
.. وبدلاً من حديث أبوظبي عن «نصرة الحق» في اليمن، أو الدفاع عن «الشرعية اليمنية»، يفترض أن تسعى العاصمة الاتحادية إلى «إعادة الشرعية» المغتصبة في جزر الإمارات المحتلة.
.. ونظراً لهذا الموقف المتناقض، بات الرأي العام الإماراتي، وخصوصاً في الإمارات الشمالية، يتساءل عن جدوى التورط في المستنقع اليمني، وكيفية الخروج من هذه الورطة الكبرى، في حين لا يتم الالتفات لتحرير «الجزر المحتلة»، منذ أكثر من 47 عاماً!
بل أن الكثيرين من أبناء الإمارات صاروا على قناعة، بأنه إذا كان خيار الحرب، يشكل أولوية استراتيجية لدى أبوظبي، فالأولى أن يكون هو خيارها الأول لتحرير الجزر المنسية!
.. والغريب أن أبوظبي، ترمي بكل ثقلها العسكري، لإحكام قبضتها على جزيرة «سقطرى» اليمنيــــــة، لكنــــها تـــــدير ظهــــرهـــا للجــــزر الثلاث، التي تعــــاني من الاحـــتــــلال، وكــــأن قرار تحريرها لا يعنيها!
... ولكل هذا وغيره، لا غرابة أن ينشق نجل حاكم الفجيرة، بسبب السخط الشعبي المتنامي، في أوساط الإمارات المهمشة، و«الرفض الاتحادي» لكيفية إدارة الملفات داخل الإمارات وخارجها.
.. وتؤكد قضية نجل حاكم الفجيرة، أن الأصوات بدأت ترتفع جهراً في الإمارات الشمالية، مطالبة بضرورة كبح جماح غرور أبوظبي، التي تقود الدولة الاتحادية، إلى سياسة توسعية، غير واقعية خارج حدودها، لا طاقة لشعب الإمارات بها، ولا قدرة لهم على تحمل تكاليفها الباهظة، المتمثلة في سقوط الشباب الإماراتي، ضحايا الحرب الخاسرة في اليمن.
.. وبحسب الإحصاءات الرسمية المعلنة، ارتفع عدد شهداء الإمارات في الحرب العبثية اليمنية، إلى أكثر من 120 شهيداً، رغم أن أبوظبي لا تعلن عن أية تفاصيل تتعلق بظروف الاستشهاد.
.. ودون وجـــــود استـــراتيجية واضـــحة، تضــــمن الخــــروج المشــــرف من المستنقع اليمني، الذي كلف الإمارات غالياً من دماء أبنائها.
.. ومـــــا مـــن شـــك أن قضــــــية الشيــــــخ راشـــد الشــرقــــــي، تعكــــس حقيـــــقة أن «السعادة» ليست منهجاً صادقاً في الإمارات، كما تعكس أيضاً أن «السعادة» التي خصصت لها الحكومة الاتحادية، وزارة تحمل اسمها، ليست أسلوب حياة لمواطني الدولة!
.. وتثبت قضية انشقاق نجل حاكم الفجيرة، أن مفردات السعادة التي تستخدمها الإمارات في خطابها الداخلي والخارجي، هي في واقع الأمر مزيفة، حيث يتم استخدامها لخداع المواطنين، والتغطية على الحالة «الكسيفة» التي يعيشها مواطنو الإمارات الشمالية.
كما تثبت أيضاً أن «المنتوج الوطني» من «الســـعادة الإمـــــاراتية» غيـــــر حقيقــــي، ذلك أن المواطن الإماراتي لو كان سعيداً، فلن يوجد في حياته، ما يدفعــــه إلى التذمــــر العلني، والشكوى المعلنة من الظلم، عبر وسائل الإعلام العالمية.
.. وهذا يؤكد أن جودة الحياة السعيدة، بنوعيها المعنوي والمادي، غير متوفرة في الفجيرة، وغيرها من الإمارات المهمشة!
لقد أثبـــــت الشيــــخ الدكتـــور راشــد بن حـــمد الــــشرقي، في تصريحاته لصحيفة «نيويورك تايمز»، أن الشبـــاب الإمـــــاراتي يعـــــاني من الحزن والإحـــباط والمعـــــاناة والتــــذمر والانزعاج من سياسات أبوظبي، ممــــا أدى إلى انشقـــــاق أحـــد أبناء الأســـر الحاكــمة في الدولة الاتحادية، والخروج منها، رافضاً العيش في كنف سعادتها الوهمية.
.. وإذا كانت قضيته غير حقيقية، ننتظر من سلطات أبوظبي، أن تقوم بإظهاره على شاشة «سكاي نيوز»، ليعلن أنه موجود في الفجيرة، عبر حوار مـــــباشر يجـــرى معه، في حديقة «عين مضب»، بين خضرة الأرض وزرقة السماء.
.. أو عبر حوار متلفز، يجــــريه «الإعــــلامي الدخـــيل»، في قــــناة «العربية» مع «الشيخ المنشق» راشــــد بن حمد الشـــــــرقي، بين ردهــــات «قلعة الفجــــيرة»، التي تحكي قصة الـــعراقـــة فــــي الإمارة الشرقية، الواقعة على «بحر عُمان»، والتي لم تجــــن من «الكيان الاتحادي» غير التهميش، وفقدان شبابها في الحرب العبثــــية في اليمن، دون أن يكــــون لمواطنيها «الشرقيين» ناقة ولا جمل، في حروب أبوظبي الخاسرة!

بقلم: أحمد علي

أحمد علي