كتاب وأراء

مقتـطـفـات صـحــفـيــة

كاتب عراقي في صحيفة مشهورة، يقول عن نفسه أو يقولون عنه: إنه مترجم وباحث ورسام، يضلل القارئ بإيراد معلومة خاطئة، ويكثر هذا الكاتب من التحسر على أيام العهد الملكي في العراق، وقليلاً ما يلجأ إلى السياسة، بل يشغل نفسه بإيراد طرائف من ذلك العهد البعيد نسبياً، وحين تحدث عن أحد الشعراء قال إنه برع في فن «الدوبليت» وهو فن شعري قائم على أن ينظم الشاعر بيتين بقافية موحدة، وليس بعيداً عن «الرجز»، فهذا قائم على أن كل بيت مستقل بنفسه بقافية كأنه مطلع قصيدة، لكن خطأ الكاتب أنه كرر الكلمة بضع مرات، فانتفى الخطأ المطبعي، وكان يجب أن يعرف أنه فن «الدوبيت» وهو فن شعري نشأ في العصر العباسي المتأخر، وكلمة «دوبيت» مركبة من كلمتين «دو» الفارسية وتعني اثنين (ولاعبو النرد يعرفون هذا جيداً) و«بيت» وهو البيت الشعري المعروف.
نبهت كثيراً إلى الفعل «اللازم» والفعل «المتعدي»، واللازم يكتفي بفاعله ولا يحتاج إلى مفعول به، بينما يحتاج المتعدي ذلك، وهو يتعدى بنفسه أو بحرف جر، والخطأ الذي يقع فيه كثير من الكتاب والمحررين والمذيعين أنهم يحولون المتعدي بنفسه إلى متعدٍّ بحرف الجر، والمثال الأشهر الذي تسمعونه وتقرؤونه دائماً فعل «أكد يؤكد» فهم يعدّونه بحرف الجر «على» فتسمع أو تقرأ: أكد على الحقوق الثابتة، ونسوا أن فعل «أكد» يتعدى بنفسه.. وما ينطبق على الفعل ينطبق على مصدره، وبدلاً من القول «التأكيد على الحقوق» يجب أن يكون «تأكيد الحقوق».
وفعل «تملـّك» مثل امتلـَك وملـَك، وهو من «المُلك»، أي المُلكية، والمصدر منه «تملـُّك»، وما ينطبق على الفعل ينطبق على المصدر، ولذا استغربت عنواناً عريضاً على ثمانية أعمدة (عرض الصفحة) يقول: تملك الأسهم للأجانب، (غيرت الكلمات) والخطأ هنا ليس في التملك فحسب، بل في حرف الجر «اللام» ولها 15 معنى، منها المِلك أو المُلك، كأن تقول: الدار لسعيد، أي هي دار سعيد، ويمكن أن نقول: تملك الناس للبيوت، والأفضل طبعاً ألا نأتي بحرف الجر، فما الخطأ المتواري– ولكنه شنيع– في الجملة العنوان؟ إن المقصود أن الأجانب يحق لهم تملك الأسهم، لكن المعنى الذي توحي به الجملة ظاهرياً أن الأسهم تملكت الأجانب، وهم يقصدون العكس.
ثمة خطأ نحوي يتكرر كثيراً في كتابات بعض الكتاب، ولا أحلم بأن تجعلهم ملاحظة أكتبها يغيرون هذا الخطأ، وهو استعمال حرف الشرط «لو» للمستقبل بمعنى «إذا».. قرأت مؤخراً لكاتبة في صحيفة مشهورة قولها: «لو عدت إلى الأرشيف... ستعرف».. وفي قولها مخالفة لأبسط قواعد النحو، مما كنا نتعلمه في الإعدادية.
مما تعلمناه أن لو حرف شرط غير جازم، ولها استعمالات أخرى، كأن تكون حرفاً مصدرياً، أو حرف تقليل، مثل «اِلْتَمِسْ ولو خاتَماً من حديد» أو حرفٌ للعَرض، وللتمنّي، مثل: لو تنْزل عندنا فتُصيبَ خيراً، أو حرف وصل (يؤتى به لتقوية المعنى، ووصل بعض الكلام ببعض)، نحو قوله تعالى: «واللهُ مُتِمُّ نوره ولو كره الكافرون»، لكن الأهم أنها حرف شرط، ويقال: حرف امتناع لامتناع، «ولو شاء اللهُ لَذهب بسمعهم وأبصارهم» وقد تأتي مع المضارع «لو نشاء لجعلناه حطاماً» وكان المثال الشهير «لو اجتهدت لنجحت»
أما «لَولا» فهي حرف امتناع لوجود، قال جرير يرثي زوجته:
لولا الحياءُ لَعادَني استعبارُ
ولَزُرتُ قبرَكِ والحبيبُ يُزارُ
وهكذا امتنع الاستعبار (البكاء) لوجود الحياء.
ولا أريد أن أطيل عليكم في هذا، فيتحول المقال إلى درس في النحو، ولكن «لو» لا تأتي مطلقاً مع المستقبل، وكان على الكاتبة التي ذكرناها أن تقول «إذا عدت... ستعرف» أو أن تقول «لو عدت إلى الأرشيف لعرفت».
أن تقرأ قصيدة أو خطبة أو صفحة من كتاب قديم، وتجد فيما تقرأ جملة لا تستطيع فهمها، أمر ليس غريباً، فقد اختلفت اللغة وتطورت كثيراً خلال القرون، ولكنك ستحار وتفجع وتفاجأ بأن تقرأ مقالة كتبت حديثاً، وتجد فيها جملة لا تستطيع فهمها حتى بعد العودة إلى المعاجم، بل لا تستطيع قراءتها قراءة صحيحة. «وضغثاً على ابالة أخطأ في فهم ما قاله» هل فهمتم قوله؟ لقد حيرتني «ضغثاً على إبالة» هذه، وظننتها مصطلحاً قديماً أو مثلاً من الأمثال، وكان علي العودة إلى المعجم لأعرف أولاً كيف تقرأ.
الضِّغْث (بكسر الثاء وسكون الغين) من الخبر والأمر ما كان مختلطاً لا حقيقة له، ومنه قيل للأحلام الملتبسة «أضغاث أحلام» وكلام ضَغْث (بفتح الغين وسكونها) كلام لا خير فيه.. والضِغث (بكسر الضاد) في الأصل قبضة من قضبان مختلفة، يجمعها أصل واحد.. أما «إبالة» فهي مشتقة من الإبل، ويقال: أبـِل يأبَل أبالة فهو آبل: إذا كان حاذقاً برعي الإبل ومصلحتها.. وفي حكاية المثل: ما هكذا تورد يا سعد الإبل، أن رجلاً كان من «آبَل» الناس، أي أحذقهم برِعية الإبل وأعلمهم بها، أعطى أخاه سعداً الإبل، لأنه كان مشغولاً بعروسه، فأهملها سعد فقال له هذا المثل.
بعد هذا الشرح كله هل فهمتم ما قال هذا الكاتب؟
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين