كتاب وأراء

عن مجتمعاتنا الذكورية

إحدى القضايا الساخنة حاليا على مواقع التواصل، هي قضية إثبات نسب طفلة، والدتها صحفية، إلى فنان تشكيلي عربي مشهور، القضية أخذت حيزا كبيرا من اهتمام الرأي العام المصري والعربي، كون المطلوب انتساب الطفلة إليه هو شخصية عامة ومثقف معروف وكبير في السن وزوج ووالد لشابة، ووالدة الطفلة صحفية شابة تكاد تقارب في السن ابنة الفنان، وكون القضية تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتيح لأي كان الإدلاء برأيه في كافة القضايا سواء أكانت عامة أو خاصة.
وككل القضايا المشابهة، انقسم الرأي العام في هذه القضية بين مؤيدين للأم والمطالبين بإثبات نسب الطفلة إلى والدها المفترض، وبين المؤيدين للفنان الذين يعتبرون أن القصة كلها ملفقة ومزورة، والقصد منها الابتزاز والإساءة إلى سمعة الفنان لأسباب عديدة، منها السياسي ومنها الشخصي، خصوصا بعد أن أعلنت الأم أنها قد تزوجت الفنان بعقد زواج عرفي سرقه أحدهم في غفلة عنها، وهو الأمر الذي اعتبره البعض دليل إدانة عليها، إذ أنه مع التقنيات الحديثة فإن ورقة مهمة كهذه من البديهي أن يحتفظ المرء بصورة عنها ولو على جهاز الهاتف النقال. وبغض النظر عمن هو صاحب الحق في هذه القضية، فإنه في وسط الاتهامات المتبادلة بين الطرفين هناك مصير طفلة صغيرة لا ذنب لها في كل ما يحدث، طفلة أتت من زواج غير معترف به قانونيا، في مجتمع يحتاج زمنا طويلا حتى يصل إلى مرحلة الاعتراف بالأبناء الذين تنجبهم أمهات عازبات، على غرار ما يحدث في أوروبا، قلة هم الذين سألوا عن مصير هذه الطفلة، التي انتشرت صورها بكثافة على مواقع التواصل وفي الصحافة المكتوبة والمرئية، وغالبا مرفقة بهاشتاغ خاص بالقضية ويحمل اسم الطفلة، قلة من تحدثوا عن مصير هذه الطفلة فيما لو لم يتم إثبات نسبها، أو حتى لو تم الإثبات، فهل سيتسامح المجتمع معها بعد أن أصبحت قصتها واحدة من القصص المتداولة على كل المستويات الاجتماعية، وبعد أن ألصقت بوالدتها عشرات الاتهامات الطاعنة بأخلاقها، وأيضا في مجتع يعتبر أن الأخلاق محصورة في الجسد فقط، بينما يتم التغاضي كاملا عن قيم كالصدق الأمانة والاحترام والكرامة والمحبة والغيرية، وكل القيم النبيلة التي يقاس تطور المجتعات وتقدمها بمدى اتكاء البشر عليها في حياتهم اليومية.
اللافت في تعليقات المناصرين للطرفين هو مقدار البذاءة والشتائم التي وجهت لكل منهما من أنصار الطرف الآخر، وهو الأمر الذي ينطبق على بعض النساء اللاتي وجدن في هذه القضية فرصة لشتم الجنس الآخر، واعتبار الفنان ممثلا لذلك الجنس، فتم وصفه بأشنع الأوصاف، وكيلت له شتائم مخجلة بحق أي كائن، فكيف بحق مثقف معروف، حتى لو كان يراوغ بحق طفلة هي من صلبه، سوف تكبر وسوف تعرف كل ما جرى وكل ما قيل بحق والدها، وهو الأمر عينه الذي حصل مع الوالدة حيث اتهمها أصدقاء بأشنع الصفات دون أن يكترثوا بما يمكن أن يتركه ذلك من أثر سيئ على الطفلة حينما تكبر وهي تتذكر كل ما جرى. المثير للسخرية في القصة هو الذكور المؤيدون للأم والذين يعتبرون الفنان مذنبا ويطالبونه بحق الطفلة وبالتحلي بالرجولة والأخلاق، دون أن يتساءل أحدهم عما يمكن أن يفعله لو أنه كان في موقع الفنان المتهم، حتى لو كان الاتهام صحيحا، هل سيعترف بسهولة بطفل تنسبه إحداهن إليه واضعا زواجه وسمعته على كف عفريت؟! المدهش أن لا أحد من كل الذين أدلوا بدلوهم في هذه القصة طاالب بإيقاف مهزلة الزواج العرفي والمسيار والمتعة، وما إلى ذلك من أنواع الزواجات المحتالة على القوانين، بكل ما ينتج عنها من مشاكل مجتمعية عميقة يدفع ثمنها الأطفال أولا والأمهات ثانيا، ولا أحد أيضا فكر بالمطالبة بتغيير قوانين الأحوال الشخصية لتصبح مدنية تكفل حقوق المرأة والأم والطفل بعيدا عن الفضيحة والاستعراض الإعلامي الذي يسيء للجميع. وكأن ما يهم هو فقط إثبات من المحق في قضية يمكنها أن تكون مع شبيهاتها من هذه القضايا مفتاحا مهما لنضال نسوي يمكنه أن يغير بالقوانين والأنظمة ويكفل حقوق الأطفال والنساء المنتهكة في مجتمعات ممعنة في ثقافة ذكورية تعتنقها حتى النساء.

بقلم : رشا عمران

رشا عمران