كتاب وأراء

مكسب قانوني وأخلاقي

مكسب قانوني وأخلاقي

لأبراهام لينكون، الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأميركية، قول مأثور وشائع : «يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت، ويمكن أن تخدع بعض الناس كل الوقت، لكنك لن تستطيع خداع كل الناس كل الوقت».
بالأمس صدر قرار محكمة العدل الدولية، فيما يتعلق بالشكوى المقدمة من قطر ضد الإمارات في ما يعرف «بالتدابير الوقتية»، ليؤكد على هذه المقولة، وليؤكد على أن المجتمع الدولي لديه أدواته المحترمة للفصل في المنازعات، عبر قوانين واضحة لا مكان فيها للذباب الإلكتروني، والمغردون الجهلة والمرتزقة ومكاتب العلاقات العامة المشبوهة والصحف الصفراء، التي حاولت تضليل العالم بأقوال باطلة وتهم فارغة!
قبل اللجوء إلى المحكمة الدولية، المناط بها، طبقا لأحكام القانون الدولي الفصل في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، طرقت قطر كل الأبواب، بدءا بالباب الخليجي المتمثل بمجلس التعاون، على أمل حل التداعيات الناجمة عن الحصار غير القانوني ضد قطر بالأساليب الودية الأخوية.
كانت تتحرك وعينها على منع تفاقم هذه المشكلة لإيمانها الراسخ والعميق بما يجمع دولنا عبر التاريخ والمصير المشترك، وبأن منظومة مجلس التعاون، هي الدرع والحصن الحصين الذي يجب أن يحمي دولنا، ويؤمن لها المنعة والعزة، فكانت أول من دعم المبادرة الكويتية الكريمة وأول من تجاوب معها، لكن الأمور كانت، كما بتنا نعرف جميعا، تسير في غير طريق الحل، وما يُدبر بليل كان هدفه شيئا آخر مختلفا تماما.
لم نلق بالا لكل ذلك وبقيت قطر، على العهد بها، وفية لأشقائها، مؤمنة بثوابتها وبأن ما حدث ربما يكون سحابة صيف لابد وأن تمر مفسحة أمام عودة المياه إلى مجاريها، خاصة وأن هذه العملية المفتعلة ضد قطر جاءت في وقت عصيب تمر به المنطقة، يستدعي حشد الطاقات، لا بعثرتها في خلافات لا معنى لها.
رويدا رويدا اكتشفنا أن مايراد من وراء ذلك هو استهداف قطر قيادة وشعبا وقرارا وسيادة، وأن مادُبر بليل كان مؤامرة مكتملة الأركان لتحقيق هذه الأهداف اللئيمة، فكان لابد من اللجوء للمنظمات الدولية وفي مقدمتها محكمة العدل الدولية لإنصاف ضحايا الإجراءات التي استهدفت المواطنين القطريين، بعد أن وصلت جميع محاولاتنا لحل الأزمة عن طريق التفاوض المباشر إلى طريق مسدود.
أفعال دولة الإمارات لقيت الإدانة والتنديد على نطاق واسع من قبل العديد من المنظمات المستقلة النشطة في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما «هيومن رايتس ووتش» و«منظمة العفو الدولية» و«مراسلون بلا حدود».
ومع ذلك لم يصدر عن الإمارات سوى الصد والإمعان في الأذى، فكان لابد من رفع القضية إلى أعلى منصة قانونية دولية، لإثبات الأضرار، وجاء قرار المحكمة بالأمس في سياق ما سعينا، إليه منصفا لأولئك الذين دفعوا ثمنا باهظا بسبب سياسة تمييزية ما كان يجب أن تصدر عن دولة خليجية ضد أخرى، ووجدت المحكمة أن الإجراءات التي اتخذتها الإمارات منذ الخامس من يونيو 2017 كانت تستهدف رعايا قطر دون سواهم، وهو ما يدخل ضمن التمييز العنصري، فجاء قرارها منصفا ومعبرا ومقبولا بكل احترام.
ألزمت المحكمة الإمارات بلمّ شمل الأسر التي تفرقت لحين البت بالقضية التي رفعتها دولة قطر على الإمارات، بسبب الانتهاكات التي تعرض لها المواطنون القطريون في الإمارات.
وقالت المحكمة، إن القطريين في الإمارات أُجبروا على ترك منازلهم دون إمكانية العودة إليها، وإن على أبوظبي السماح للطلبة القطريين باستكمال دراستهم.
كما ألزمت المحكمة أبوظبي بالسماح للطلبة القطريين الذين كانوا يدرسون في الإمارات قبل فرض الحصار بالعودة إلى مقاعدهم إذا أرادوا ذلك.
وألزمت الإمارات بالسماح للمتضررين من إجراءاتها باللجوء إلى المحاكم الإماراتية. واعتبرت أن الإجراءات التي فرضتها على قطر منذ الخامس من يونيو من العام الماضي استهدفت الرعايا القطريين فيها دون غيرهم.
وأشارت المحكمة في حيثيات هذه الأحكام إلى أن قطر عرضت التفاوض بشأن تطبيق اتفاقية مناهضة التمييز، لكن الإمارات لم تستجب لذلك.
بالنسبة لنا هو انتصار قانوني وأخلاقي، يستند إلى المعاهدة الدولية لإلغاء كل أشكال التمييز العنصري الموقعة عام 1965، والتي كانت من أولى الاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الإنسان، علما بأن قطر والإمارات من الدول الموقعة عليها.
هذا القرار جاء ليؤكد جملة من الحقائق، أبرزها أن ما تعرض له المواطنون القطريون لم يكن مقبولا على الإطلاق من جانب المجتمع، وهو يشكل إدانة واضحة لما ارتكبته الإمارات من إجراءات تمييزية غير مقبولة تتناقض وما وقعت عليه عندما أعلنت قبولها المعاهدة الدولية لإلغاء كل أشكال التمييز العنصري، فهي هنا أخلّت بالتزاماتها، وتجاهلت مسؤولياتها وحنثت بما وقعت عليه.
وهو شهادة رفيعة لقطر، التي دأبت على الاحتكام للقانون ورأت على الدوام أن التفاوض هو الوسيلة الأهم والأكثر شجاعة لحل الخلافات.
المسألة الجوهرية في قرار الأمس تكمن في الفارق بين دولة تؤمن بالقانون، وأخرى تتبع سياسة مارقة وتعتقد أن زمن الخارجين عن القانون مازال قائما، صحيح أن قرار محكمة العدل الدولية، ليس سوى الخطوة الأولى في طريق طويل من أجل الدفاع عن حقوقنا، لكن أهم ما فيه هو فحواه الذي يؤكد أن لا تسامح مع أي إجراءات تمييزية ضد مواطنينا، وأن من حق المتضررين منهم اللجوء إلى المحاكم الإماراتية للحصول على حقوقهم.
لقد حرمت الإمارات العربية المتحدة الشركات والأفراد القطريين من ممتلكاتهم وودائعهم لديها، ورفضت حصولهم الأساسي على التعليم والعلاج، والقضاء في محاكم الإمارات، وجاء قرار محكمة العدل الدولية ليؤكد على ما قالته قطر بعد أن وجدت في الإجراءات التي اتخذتها الإمارات منذ الخامس من يونيو 2017 استهدافا لرعايا قطر دون سواهم، وهو ما يدخل ضمن التمييز العنصري.
لم تُقدم قطر على أي إجراء من شأنه الإساءة للأسر المشتركة، ولم تترك مريضا من دول الحصار دون علاج، ولا طالبا من دون تمكينه من تحصيله العلمي، على الرغم من الحصار الجائر الذي تعرضت له براً وبحراً وجواً كجزء من حملة إكراه سياسي واقتصادي.
القضية المنظورة أمام محكمة العدل الدولية لم تنته فصولها بعد، فالمحكمة سوف تضع الآن جدولا لمزيد من الإجراءات فيها، وسيظل أمر المحكمة سارياً حتى تصدر المحكمة حكمها النهائي بشأن الأسس الموضوعية للقضية، لكن قراراتها بالأمس تكتسب أهمية خاصة كونها أشارت بوضوح ودون لبس إلى إجراءات تمييزية إماراتية ضد مواطنينا، وفي ذلك إشارة لها مغزاها وأهميتها سوف تترك الكثير من الآثار الإيجابية على صعيد كشف الحقائق التي حاولت الإمارات التحايل عليها والكذب بشأنها، ومن ذلك أن محكمة العدل الدولية أشارت بوضوح إلى أن دولة قطر عرضت التفاوض مع الإمارات بشأن تطبيق اتفاقية مناهضة التمييز لكن الإمارات لم تستجب لذلك.

آخر نقطة..

درس جديد تقدمه قطر لدول الحصار
وهذه المرة عن طريق محكمة العدل
وعنوانه كيف تلجم خصومك بالقانون الدولي وتجلدهم بالأمر القضائي دون أن تضطر للنزول لمستواهم أو تعاملهم بنفس إجراءاتهم..
وكنا قد شاهدنا الدرس السابق في منظمة الطيران المدني (الإيكاو)
وفي انتظار الدرس القادم.. والقاسي عن طريق الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ..
انتظرناهم طويلا لحسم الخلافات عبر حوار بين المتخاصمين، وحان وقت الردع والصد والجلد بالقوانين.. علما بأن قطر لاتريد إلحاق الأذى بأي طرف ولا التصعيد الذي لايخدم الدول ولا الشعوب ويضر باستقرار المنطقة.. ولكنها في نفس الوقت معنية بالحفاظ على سيادتها وحقوق مواطنيها.. ومقيميها.

بقلم:محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري