كتاب وأراء

الإسلَام والمُسلمون بينَ استقامَة وتَرَنُّح الآلَة الإعلامِيَّة

تدرُس نظريَّة تحلِيل الإطار الإعلامي ظروف تأثير الرِسالة الاتصاليَّة؛ حيثُ تقوم هذِهِ النظريَّة على أساس أنَّ وسائِل الإعلام عِندَ تغطيتِها حدَثًا مُعيَّنًا فإنَّها تضعُهُ فِي سِياقٍ مُحَدّد ومُكَرَر باستِخدام عدَدِ مِنَ: الكلمات الرئيسيَّة، الرمُوز، الصُور المرئيَّة- البصَريَّة، الأحكَام، وذلِك لتحقيق هدَف التأثِير على إدرَاك الجماهِير المُستهدَفَة.
وبحَسَب هذِهٍ النظرِيَّة، فإنَّ هُنالِك 5 عوامِل تُؤثِّر على كَيفِيَّة تأطِير الإعلامِيين لِموضُوعِ مُعَيَّن، وهي: الضُغُوطات والقُيُود التَنظِيميَّة والمُؤسَسِيَّة، القُيُود الإعلامِيَّة المفرُوضَة (الأجِندَة الإعلامِيَّة)، جَماعَات المصالِح والضَغط، الاتجاهَات الأيدُيولوجِيَّة والسِياسِيَّة لِمُلّاك وسائِل الإعلام والإعلامِيين. وكَما هُو مَعلُوم، فإنَّ كافَّة هذّهّ العوامِل وغيرها ساهَمَت فِي حِرص الآلَة الإعلاميَّة الغَربِيَّة على تأطِير الأخبَار والمُسَتجِدَّات التي تتعَلّقُ بالإسلام والمُسلِمين بشكلٍ كَبير.

مِنَ الواضِح أنَّ تصعِيد وتِيرَة العَداء ضِدَّ الإسلام والمُسلمين يُعَد ضِمنَ أولَى أولويَّات مجلة «شارل إبدو» الفرنسيَّة الساخِرَة؛ التي لا تلبَثُ أن يُنشَر فِي إصدارِها الأسبُوعي أخبَارُ وصُوَر تُساعِد في تحقِيق هذِهِ الأولويَّة وترسِيخ الصُورة الذِهنيَّة المُشوهَة عَنِ الدِين وأهلِه.
المجلّة فِي ذلِك تحذُو حَذو غالبيَّة وسائِل الإعلام الغَربيَّة. رُغمَ أنَّ دستورِهِم الذي يتغنَّون بِهِ ويُقدِّمونَهُ على جميع الدساتِير، الإعلان العالَمِي لِحُقوق الإنسَان، يُقَيِّد في مادَتِهِ الـ 18 التالِي:
«لكلِّ شخصِ حقٌّ فِي حرِّية الفِكر والوجدَان والدِّين، ويشمَلُ هذا الحَقُّ حرِّيته فِي تَغيير دِينَه أو مُعتَقَدِه، وحُرِّيته فِي إظهَار دِينِه أو مُعتَقَدِه بالتَعبُّد وإقامَة الشَعائِر والمُمارَسَة والتَعلِيم، بِمُفرَدِه أو مَعَ جَماعَة، وأمامَ المَلأَ أو عَلَى حِدَة».
حَيثُ لَم يَرِد فِيهِ حَق السُخرِيَة والاستِهزاء والتَصعِير مِن الآخر الِدينِي والثقافِي، فكَيف أعطَوا هذا الحَقّ لأنفُسِهِم واحتكرُوا تطبيِقَه على الإسلام والمُسلمين؟

أزمة الخليج الكُبرى أشعلت وسائل التواصل الاجتماعي، وقسَّمتها إلى فريقين: الأول وعددهُ غفير وفي اضطراد؛ يَسُب ويقذف ويشتِم على سبيل النقاش، وذلك حتى يُقيمَ الحَجَّة على مخالفة فينتصر، أما الفريق الثاني وعددهُ قليل ورُبما في تضاؤُل وإلى انتصارٍ بعونِ الله؛ فتجدهُ يناقش ويقرَعُ الحُجَّة بالحُجَّة بهدف استجلاء الحقيقة وتوحيد الصفوف ومحاولة درءِ الصدأ. إنَّ مجموع الخطأِ مع الخطأ لا يُساوي صوابًا، فإن كُنتَ مشاركًا؛ انظُر إلى أيِّ الفريقين تنتمي واتقِ الله أينما كُنت.

من المُدهش أحيانًا أن يخرُج الصدق من أفواه الكاذبين، وتحديدًا من قبل مؤرخي الحضارة الغربية الذين يتعمدون تصغير فضل الحضارة الإسلامية على التقدم العلمي والحضاري في الغرب، كما يتعمدون تجهيل العالمين وبشتى الطرق أنَّ لتقدم المسلمين العلمي وعقليتهم المنهجية وإبداعهم الإسلامي الخالص في المنهج التجريبي؛ الدور الأساسي في بناء حضارتهم الرغداء عبر القرون، التي يدعون أنها انحدرت إليهم من ميراث الحضارتين الرومانية واليونانية.
يقول المفكر البريطاني، روبرت بريفولت، في كتابه الشهير «تكوين الإنسانية»: «إنَّ العلم هو أعظم ما قدمته الحضارة العربية للعالم الحديث عامة؛ حيثُ لا توجد ناحية من نواحي النمو الحضاري إلا ويظهر للإنسان فيها أثر الحضارة والثقافة العربية، وإنَّ أعظم مؤثر هو الدين الإسلامي، الذي كان المحرك للتطبيق العلمي على الحياة، وإنَّ الادعاء بأنَّ أوروبا هي التي اكتشفت المنهج التجريبي؛ ادعاءٌ باطلٌ وخال من الصحة، جملةً وتفصيلًا، فالفكر الإسلامي هو الذي قال: انظر، وفكر، واعمل وجرب، حتى تصل إلى اليقين العلمي».
إنَّ بريفولت قد أنصَفَ كثيرًا في هذا الكتاب، ودحَضَ هذه الفرية الشهيرة؛ التي لا أساس لها من الواقع التاريخي، التي طالما وجدناها وسنجدها عائمة على السطح، يروجُ لها متّبعي الحضارة الغربية في كل مكان، ورغم ذلك كله سنجد أقلامًا كتبت وستكتب عن الحقيقة مهما واجهتها أعمال التعرية والزوال؛ ولا أجلَّ من حقيقة أنَّ حضارتنا كانت ولاتزال «ولاّدَة» تمنح الكثير للآخرين وتضيء شتَّى الدروب المعتمة، ولا يبقى إلا أن يعود المسلمون لريادة تلك الحضارة الإنسانية من جديد؛ تلك الحضارة التي بناها الإسلام وحافظ عليها الآباء والأجداد، وأهملها الأبناء والأحفاد، فأنكر فضلها على العالمين الغرب ومازال.

لا يُمكن لنا أن نُغلق آذاننا وأبوابنا عنِ الثقافة العالمية التي نعيشُها مع مدِّ الإعلام الجديد الذي جعل الكون قرية عالمية صغيرة؛ جسَّرَت المسافات الكبيرة بين أطياف الأديان والمذاهب والملل، وجعلت العالم أمام أمرٍ واقع؛ أمام حلّ التعايش السلمي الإيجابي، أو التناحر المُهلِك السلبي؛ إننا نحتاج إلى الآخر لنأخُذ منهُ ما يُفيدُنا ويعيننا على أمر ديننا ودنيانا؛ نأخُذ منه ما يتفقُ مع عقائِدنا وقِيمنا ومبادئنا وثوابتنا وأخلاقنا، فمنَ الخطأِ أن نتهم كُل ما يَردُنا من الآخر على أنَّهُ غزو ونخر عقلي وديني ودنيوي؛ فهي ليست فاسدة في مجموعها، وفي الُمقابل نحنُ بحاجة ماسَّه إلى نشرِ تعاليم ديننا وتوجيهاته الساميَّة ليستفيدَ مِنها الآخَر، فإسلامُنا الحنيف الذي يُقِرّ بمبدأ الحرية الدينية؛ يُقِرّ كذلك بمبدأِ السَماحة الإنسانية التي تُؤكد حقوقَ المُحتاجين جميعًا في أن ينالوا المساعدة والعَون دونَ نظرٍ لعقائدهم المُختلفة عنّا.

إنَّ انتشار الثقافة العربية الإسلامية في مختلف البلاد التي دخلها الإسلام، جعل كثيرًا من معالم الثقافات المحلية القائمة تتكيَّف مع مقوّمات الثقافة العربية الإسلامية؛ فأصبحت الطقوس والتقاليد والأعراف تنسجم في غالب الأحيان مع ثوابت الثقافة العربية الإسلامية، حتى ولو اختلفت في ما بينها في الممارسة والتطبيق، على أن هذا الاختلاف لا يصل إلى مجال العقائد والقيم والمقاصد، كما هو الشأن مع الثقافات غير الإسلامية القديمة والحديثة.
وبذلك تكون أهمّ خاصية تتميّز بها الثقافة العربية، أنها امتزجت بالثقافات الأخرى التي كانت سائدةً في عهود الإسلام الأولى، وتفتَّحت لعطاء الأجناس والأقوام وأهل الديانات والعقائد التي تعايشت مع المجتمع العربي الإسلامي، فصارت بذلك ثقافةً غنيةَ المحتوى، متعدّدةَ الروافد، متنوعةَ المصادر، ولكنها ذات روح واحدة، وهويّة متميّزة متفرّدة.

من المؤسف حقًا أن يتحول الإعلام ووسائله إلى أداة إمبريالية تافهة لا تقدم إلا السُم المدسوس الذي يغير شكل الحقائق ويوجه الأغاليط ويخلق منها حقيقة ملفَقة لتصدقها الجماهير وتطبل وتزمر لها، ما تعلمناه في كليات ومعاهد الإعلام؛ أنَّ الإعلام صنعة النجاح وأنَّ المهنية تسبق مادية الصنعة وأنَّ الأخلاق تتسيد المهنة والصنعة معًا، لكنَّ عروجًا سريعًا على المضامين المدسوسة نجد أنَّ صنعة النجاح أصبحت ذات مكيالين، وأنَّ الأخلاق وقفت خَجلى من ممارسات الكثير في مضمار الإعلام العريض، وأنَّ الجمهور أصبحَ يصفق لنفسه!

خولة مرتضوي